أحكام أهل الذمة

لعن عاصرَ الخمر ومعتصرها١، والعاصر إنما يعصر عصيرًا، لكن إذا رأى أن المعتصر يريد أن يتخذه خمرًا أو عصيرًا استحقَّ اللعنة، وهذا أصلٌ مقرَّرٌ في غير هذا الموضع، لكن معاصي الذمي قسمان:

أحدهما: ما اقتضى عقدُ الذمة إقرارَه عليها.

والثاني: ما اقتضى عقدُ الذمة منْعَه منها أو من إظهارها.

فأما القسم الثاني فلا ريبَ أنه لا يجوز على أصل أحمد أن يؤاجر أو يبايع إذا غلب على الظنّ أنه يفعل ذلك كالمسلم وأولى.

وأما القسم الأول فعلى ما قاله ابن أبي موسى: يُكره ولا يحرم؛ لأنا قد أقررناه على ذلك، وإعانته على سكنى هذه الدار كإعانته على سكنى دار الإسلام، فلو كان هذا من الإعانة المحرمة لما جاز إقرارهم بالجزية. وإنما كُرِه ذلك؛ لأنه إعانةٌ من غير مصلحةٍ لإمكان بيعها من مسلم، بخلاف الإقرار بالجزية فإنه جاز لأجل المصلحة. وعلى ما قاله القاضي: لا يجوز؛ لأنه إعانةٌ على ما يستعين به على المعصية من غير مصلحةٍ تقابل هذه المفسدة، فلم يجز، بخلاف إسكانهم دار الإسلام، فإن فيه من المصالح ما هو مذكورٌ في فوائد إقرارهم بالجزية.

فصل

وحقيقة الأمر أن الكفار ممنوعون من الاستيلاء على ما ثبت للمسلمين

  1. (١) تقدم تخريجه.
403

فيه حقٌّ من عقارٍ أو رقيقٍ أو زوجةٍ مسلمةٍ أو إحياء مواتٍ أو تملُّكٍ بشفعةٍ من مسلم؛ لأن مقصود الدعوة أن تكون كلمة الله هي العليا١، وإنما أُقِرُّوا بالجزية للضرورة العارضة، والحكم المقيد بالضرورة مقدَّرٌ بقدرها، ولهذا لم يثبت عن واحدٍ من السلف لهم حقُّ شفعةٍ على مسلم، وأخذ بذلك الإمام أحمد، وهي من مفرداته التي برز بها على الثلاثة؛ لأن الشِّقص يملكه المسلم إذا أوجبنا فيه شفعةً لذمي كنّا قد أوجبنا على المسلم أن ينقل الملك في عقاره إلى كافرٍ بطريق القهر للمسلم، وهذا خلاف الأصول.

والشفعة في الأصل إنما هي من حقوق أحد الشريكين على الآخر، بمنزلة الحقوق التي تجب للمسلم على المسلم، كإجابة الدعوة وعيادة المريض، وكمنعه أن يبيع على بيع أخيه أو يخطب على خطبته.

قال عبد الله بن أحمد٢: سألت أبي عن الذمي اليهودي والنصراني لهم شفعةٌ؟ قال: لا، قلت: المجوسي؟ قال: ذاك أشدُّ.

وقال حربٌ٣: سألت أحمد قلت: أهل الذمة لهم شفعةٌ؟ قال: لا.

وقال أبو داود٤: سمعت أبا عبد الله يُسأل: للذمي شفعةٌ؟ قال: لا.

وكذلك نقل أبو طالب وصالحٌ وأبو الحارث والأثرم، كلهم قالوا

  1. (١) انظر: "اقتضاء الصراط المستقيم" (٢/ ٤٠)، فقد نقل عنه المؤلف ما يأتي.
  2. (٢) "الجامع" للخلال (٣٢٣).
  3. (٣) المصدر نفسه (٣٢٤).
  4. (٤) المصدر نفسه (٣٢٥)، و"مسائله" (ص ٢٧٦).
404

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي