وليس معهم قياسٌ استوى فيه الأصل والفرع في المقتضي للحكم، فإن قياس الكافر على المسلم من أفسد القياس، وكذلك قياس بعضهم من تجب له الشفعة بمن تجب عليه من أفسد القياس أيضًا، فإن الذمي يُستحقّ عليه القصاص، ولا يَستحَقُّه هو على المسلم، ويُستحقّ عليه حدُّ القذف ولا يَستحقُّه، وكذلك المطلِّق في مرض الموت يستحقّ عليه الميراث ولا يستحقّه، وكذلك المسلم يَستحقّ تعلية البنيان على الذمي ولا يَستحقّه الذمي عليه، والمسلم يَستحقّ نكاح الكافرة وشراء الرقيق الكافر، ولا يَستحقّ الذمي نكاحَ المسلمة ولا شراء الرقيق المسلم، والمسلم يستأجر الكافر للخدمة دون العكس.
وكذلك قياس بعضهم الأخذَ بالشفعة على الرد بالعيب من هذا النمط، فإن الرد بالعيب من باب استدراك الظُّلامة وأخذ الجزء الفائت الذي يترك على الثمن في مقابلته، فأين ذلك من تسليطه على انتزاع ملك المسلم منه قهرًا، واستيلائه عليه؟
وكذلك قياس بعضهم ذلك على ثبوت الخيار في البيع هو من هذا الضرب، فإن الخيار إن كان خيار شرطٍ فهو شرطه له على نفسه، وإن كان خيار مجلسٍ فمن لا يثبته كيف يحتجُّ به؟ وإن ألزم به من يثبته فهو يُفرِّق بأن خيار المجلس هو موجب العقد شرعًا فلا يتخلَّف عن العقد، كالحلول والتقابض والسلامة.
وكذلك قياس بعضهم الأخذ بالشفعة على التملك بالإحياء، مع أنه تملُّكٌ بغير عوضٍ يرجع إلى المسلمين، فيقال: من الذي سلَّم الحكم في هذه المسألة؟ وقد تنازع فيها الفقهاء قديمًا وحديثًا على أقوال أربعةٍ١:
أحدها: أنه لا يملك بالإحياء في دار الإسلام، وهذا اختيار أبي عبد الله بن حامدٍ، وهو منصوص الشافعي، وقول طائفةٍ من المالكية وأهل الظاهر.
الثاني: أنه يملك به كالمسلم، وهو المنصوص عن أحمد في رواية حرب وإبراهيم بن هانئ ويعقوب بن بختان ومحمد بن [أبي] حرب٢، وهي٣ قول الحنفية وأكثر المالكية، واختيار أكثر الأصحاب.
واستثنى المالكية ما أحياه بجزيرة العرب، فإنه لا يملكه فإن فعل أعطي قيمة ما عَمَرَ ونزع منه.
والقول الثالث: أنه إن أذن له الإمام ملك به وإلا لم يملك، وهذا مذهب ابن المبارك.
القول الرابع: أنه إن أحيا فيما بَعُدَ من العمران ملَكَه، وإن أحيا فيما قرب من العمران لم يملكه وإن أذن فيه الإمام، فإن فعل أُعطِي قيمةَ ما عمرَ ونزع