ويكذِّب محمدًا ﷺ، بخلاف ما لو قال: أوصيتُ به لفلانٍ وهو كذلك، فإن الوصية لا تصح على جهة معصيةٍ وفعل محرمٍ، مسلمًا كان الموصي أو ذميًّا، فلو وصى ببناء كنيسةٍ أو بيت نارٍ أو عمارتهما أو الإنفاق عليهما كان باطلًا.
قال في "المغني"١: وبهذا قال الشافعي وأبو ثورٍ. وقال أصحاب الرأي: يصح. وأجاز أبو حنيفة الوصية بأرضٍ تبنى كنيسةً، وخالفه صاحباه. وأجاز أصحاب الرأي أن يوصي بشراء٢ خمرٍ أو خنازير ويتصدَّق به على أهل الذمة.
قال: وهذه وصايا باطلةٌ وأفعالٌ محرمةٌ؛ لأنها معصيةٌ، فلم تصح الوصية بها، كما لو وصَّى بعبده أو أمته للفجور.
قال: وذكر القاضي أنه لو وصى بحُصُرٍ للبِيَع أو قناديلَ لها وما شاكل ذلك، ولم يقصدْ إعظامَها بذلك= صحت الوصية؛ لأن الوصية لأهل الذمة، فإن النفع يعود إليهم، والوصية لهم صحيحةٌ.
قال: والصحيح أن هذا مما لا تصح الوصية به؛ لأن ذلك إنما هو إعانةٌ لهم على معصيتهم وتعظيمٌ لكنائسهم.
قلتُ٣: هذا ذكره القاضي في "المجرد"، وهو من أوائل كتبه، وقد رجع عن كثيرٍ منه، وهذا مخالفٌ لنص أحمد وقواعده وأصوله، فإنه قد صرَّح
(١) (٨/ ٥١٤).
(٢) في الأصل: "بشرب"، والتصويب من "المغني".
(٣) في الأصل: "قال" خطأ. فهذا من كلام المؤلف، وليس في "المغني".
ببطلان الوقف على البِيعة وعَوْد الوقف مِلكًا للورثة. وقد منع أحمد المسلم من كراء منزله من الكافر، فكيف يجوِّز الوصية بما يزيّن به الكنيسة وعملها؟
وكذلك من ذكر جوازَ مثل هذه الوصية من أصحاب الشافعي فقد خالف نصوصه وأصوله، فإنه قال في كتاب الجزية من "الأم"١: لو أوصى ــ يعني الذمي ــ بثلث ماله أو بشيء منه يُبنى به كنيسةٌ لصلاة النصارى، أو يستأجر به خَدَمَ الكنيسة، أو يعمر به، أو ما في هذا المعنى= كانت الوصية باطلةً٢. ولو أوصى أن يبنى بها كنيسةٌ ينزِلُها مارُّ الطريق، أو وقفَها على قومٍ يسكنونها= جازت الوصية، وليس في بنيان الكنيسة معصيةٌ إلا أن تُتَّخذ لمصلى النصارى الذين اجتماعهم فيها على الشرك. قال٣: وأكره للمسلم أن يعمل بناءً أو نجارةً أو غير ذلك في كنائسهم التي لصلاتهم. هذا لفظه.
قال في "المغني"٤: والوقف على قناديل البِيعة وفَرْشها ومن يَخدِمها ويَعمُرها كالوقف عليها؛ لأنه يراد لتعظيمها، وسواءٌ كان الواقف مسلمًا أو ذميًّا. قال أحمد٥ في نصارى وقفوا على البِيعة ضِياعًا كثيرةً، وماتوا ولهم أبناءٌ نصارى، فأسلموا والضِّياع بيد النصارى: فلهم أخذُها، وللمسلمين عونُهم يستخرجونها من أيديهم.