الأمر الثالث الذي تضمَّنه جوابه: جواز التخصيص بقصد المتكلم وبالقرائن، وهذا هو الواجب في كلام الواقفين والموصين والمقرِّين، كما هو أصله في أيمان الحالفين.
والواجب طَرْد هذا الأصل في كلامٍ للمكلَّف يترتب عليه أمرٌ شرعي، فإن الكلام إنما يترتب عليه موجبه لدلالته على قصد صاحبه، فإذا ظهر قصده لم يجز أن يُعدَل عنه إلى عموم كلامه وإطلاقه، فإن ذلك غلطٌ وتغليطٌ، وجميع الأمم على اختلاف لغاتها تُراعي مقاصدَ المتكلمين وإراداتِهم وقرائنَ كلامهم. ولو سُئل أحدهم عن جاريته وقيل له: إنها فاجرةٌ، فقال: كلا، بل هي عفيفةٌ حرةٌ= لم يشكُّوا أنه لم يُرِد عتقَها ولا خطر بباله، فإلزامه بعتقها بمجرد ذلك خطأٌ.
واللفظ إنما يكون صريحًا إذا تجرد عن القرائن الصارفة له عن موضوعه عند الإطلاق، ولهذا لو وصل قوله: (أنت طالقٌ) بقوله: (من وَثاقٍ) لم يكن صريحًا. وكذا لو دُعي إلى غداءٍ فقال: والله لا أتغدى، لم يشك هو ولا عاقلٌ أنه لم يُرِد تركَ الغداء أبدًا إلى آخر العمر، فإلزامه بما لم يُرِده قطعًا بناءً على إطلاقِ لفظٍ لم يُرِد إطلاقَه وتعميمِ ما لم يُرِد عمومَه= إلزامٌ بما لم يُلْزِمه ولا ألزمه الله ورسوله به، وبالله التوفيق.
✽ ✽ ✽
فصل
في أحكام نكاحهم ومناكحاتهم
قال الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ١ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ٢ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ٣﴾ إلى آخر السورة [المسد: ١ - ٥] فسماها "امرأته" بعقد النكاح الواقع في الشرك. وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾[التحريم: ١١]، فسماها "امرأته".
والصحابة ﵃ غالبهم إنما وُلدوا من نكاحٍ كان قبل الإسلام في حال الشرك، وهم يُنسبون إلى آبائهم انتسابًا لا ريبَ فيه عند أحدٍ من أهل الإسلام، وقد أسلم الجمُّ الغفير في عهد النبي ﷺ فلم يأمر أحدًا منهم أن يجدِّد عقده على امرأته. فلو كانت أنكحة الكفار باطلةً لَأَمَرهم بتجديد أنكحتهم.
وقد كان رسول الله ﷺ يدعو أصحابه لآبائهم، وهذا معلومٌ بالاضطرار من دين الإسلام، وقد رجم رسول الله ﷺ يهوديين زنيا١، فلو كانت أنكحتهم فاسدةً لم يرجمهما، لأن النكاح الفاسد لا يحصن الزوج، وسيأتي الكلام في هذه المسألة.
وأيضًا، فإن النبي ﷺ أمر من أسلم وتحته عشر نسوةٍ أن يختار منهن أربعًا ويفارق البواقي، وأمر من أسلم وتحته أختان أن يمسك إحداهما