أحكام أهل الذمة

ذلك لكون أنكحتهم كانت باطلةً، ولكن لتجديد الملك على زوجته، وكونها صارت أمةً للثاني، واستولى على محلِّ حق الكافر وأزاله، وانتقلت من كونها زوجةً إلى كونها أمةً رقيقةً تُباع وتشترى.

وأما قوله تعالى إنهم لا يحرِّمون ما حرَّم الله ورسوله ولا يدينون دينَ الحق من الذين أوتوا الكتاب، فلم يزيدوا بذلك على كونهم كفارًا. ومن نازع في كفرهم حتى يحتج عليه بذلك؟ وهل وقع النزاع إلا في نكاح من هو كذلك؟ ولا ريبَ أن هذا القدر كما لم يؤثِّر في بطلان عقود معاوضاته من البيع والشراء والإجارة والقرض والسلم والجعالة وغيرها لم يؤثر في بطلان نكاحه.

فصل

وأما إن كان الكافر لا يعتقد وقوعَ الطلاق ولا نفوذَه فطلَّق، فهل يصح طلاقه؟ فيه روايتان منصوصتان عن أحمد، أصحهما أنه لا يصح طلاقه، وهذا هو مقتضى أصوله، فإنا نُقِرُّهم على ما يعتقدون صحته من العقود، فإذا لم يعتقد نفوذ الطلاق فهو يعتقد بقاء نكاحه، فيُقَرَّ عليه وإن أسلم.

وأيضًا، فإن وجود هذا الطلاق وعدمه في حقه واحدٌ، فإنه لم يلتزم حكم الطلاق ولا اعتقد نفوذه، فلم يلزمه حكمه.

وهذا التفصيل في طلاقه هو فصل الخطاب.

فصل

وأما المسألة الثانية: وهي إذا تزوجها الذمي، فإنه يُحِلُّها للأول عند

434

الجمهور؛ لأنه زوجٌ وهي امرأةٌ له، فيدخل في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فأطلق النكاح والزوج، ولم يقيده بحرّ ولا عبدٍ، ولا مسلم ولا كافرٍ، وهذه قد نكحت زوجًا غيره، فتحلُّ للأول. ودليل كونه زوجًا: الحقيقةُ والحكمُ.

أما الحقيقة: فلأن الزوج والتزويج حاصلٌ فيه حسًّا، وكفرُه لا يمنع ثبوت حقيقة الزوجية.

وأما الحكم: فثبوت النسب، ووجوب المهر والعدة، والتمكين من الوطء، وتخييره بين الأختين إذا أسلم وفي الأربع، وغير ذلك من أحكام النكاح. وثبوتُ الأحكام يدلُّ على ثبوت الحقيقة.

فصل

إذا ثبتت صحةُ نكاحهم فهاهنا مسائل:

المسألة الأولى١: إذا أسلم الزوجان أو أحدهما، فإن كانت المرأة كتابيةً لم يؤثِّر إسلامه في فسخ النكاح، وكان بقاؤه كابتدائه. وإن كانت غير كتابيةٍ وأسلم الزوجان معًا، فهما على النكاح سواءٌ قبل الدخول وبعده، وليس بين أهل العلم في هذا اختلافٌ.

قال ابن عبد البر٢: أجمع العلماء على أن الزوجين إذا أسلما معًا في حالةٍ واحدةٍ أن لهما المُقامَ على نكاحهما ما لم يكن بينهما نسبٌ ولا رضاعٌ.

  1. (١) ينظر في هذه المسألة "زاد المعاد" (٥/ ١٨٣ - ١٩٤).
  2. (٢) "التمهيد" (١٢/ ٢٣).
435

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي