أحكام أهل الذمة

وقد أسلم خلقٌ في زمن النبي ﷺ وأسلم١ نساؤهم، وأُقِرُّوا على أنكحتهم، ولم يسألهم رسول الله ﷺ عن شروط النكاح، ولا عن كيفيته، وهذا أمرٌ عُلِم بالتواتر والضرورة، فكان يقينًا٢.

ثم قال كثيرٌ من الفقهاء٣: المعتبر أن يتلفظا بالإسلام تلفظًا واحدًا، يكون ابتداء أحدهما مع ابتداء صاحبه، وانتهاؤه مع انتهائه.

والصواب أن هذا غير معتبرٍ، ولم يدلَّ على ذلك كتابٌ ولا سنةٌ، ولا اشترط رسول الله ﷺ ذلك قطُّ، ولا اعتبره في واقعةٍ واحدةٍ مع كثرة من أسلم في حياته ﷺ، ولم يقل يومًا واحدًا لرجل أسلم هو وامرأته: تلفظا بالإسلام تلفظًا واحدًا لا يسبق أحدكما الآخر. وهل هذا إلا من التكلف الذي ألغتْه الشريعة ولم تعتبره؟ وليس لهذا نظيرٌ في الشريعة، بل إذا أسلما في المجلس الواحد فقد اجتمعا على الإسلام، ولا يؤثِّر سبقُ أحدهما الآخر بالتلفظ به. وهذا اختيار شيخنا٤.

وإن أسلم أحدهما ثم أسلم الآخر بعده، فاختلف السلف والخلف في ذلك اختلافًا كثيرًا.

  1. (١) "أسلم" ساقطة من المطبوع.
  2. (٢) هذه الفقرة وما قبلها من "المغني" (١٠/ ٥).
  3. (٣) كالشافعية والحنابلة، انظر: "التهذيب" للبغوي (٥/ ٣٩١)، و"فتح العزيز" (٨/ ٨٦)، و"المغني" (١٠/ ٨)، و"الفروع" (٥/ ٢٤٦).
  4. (٤) انظر: "مجموع الفتاوى" (٣٢/ ٣٣٧، ٣٣٨).
436

فقالت طائفةٌ: متى أسلمت المرأة انفسخ نكاحها منه، سواءٌ كانت كتابيةً أو غير كتابيةٍ، سواءٌ أسلم بعدها بطَرْفة عينٍ أو أكثر، ولا سبيلَ له عليها إلا بأن يسلما معًا في آنٍ واحدٍ، فإن أسلم هو قبلها انفسخ نكاحها ساعة إسلامه، ولو أسلمت بعده بطرفة عينٍ. هذا قول جماعةٍ من التابعين وجماعةٍ من أهل الظاهر، وحكاه أبو محمد بن حزمٍ١ عن عمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس وحماد بن زيدٍ والحكم بن عتيبة٢ وسعيد بن جبيرٍ وعمر بن عبد العزيز والحسن البصري وعدي بن عدي وقتادة والشعبي.

قلت: وحكاية ذلك عن عمر بن الخطاب غلطٌ عليه، أو يكون رواية عنه، فسنذكر من آثار عمر بن الخطاب ﵁ خلاف ذلك مما ذكره أبو محمد وغيره. فهذا قول.

وقال أبو حنيفة٣: أيهما أسلم قبل الآخر، فإن كانا في دار الإسلام عُرِض الإسلام على الذي لم يسلم، فإن أسلما بقيا على نكاحهما، وإن أبى فحينئذٍ تقع الفرقة، ولا تُراعى العدة في ذلك.

ثم اختلفوا، فقال أبو حنيفة ومحمد: الفسخ هاهنا طلاقٌ، لأن الزوج ترك الإمساك بالمعروف مع القدرة عليه، فينوب القاضي منابَه في التسريح

  1. (١) "المحلى" (٧/ ٣١٢).
  2. (٢) في المطبوع: "عيينة" تصحيف.
  3. (٣) انظر: "بدائع الصنائع" (٢/ ٣٣٦، ٣٣٧)، و"الاختيار لتعليل المختار" (٣/ ١١٣). والمؤلف نقل الفقرة الأولى من "المحلى" (٧/ ٣١٢).
437

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي