أحكام أهل الذمة

ومنها ما رواه ابن أبي شيبة١، عن عبّاد بن العوّام، عن أبي إسحاق الشيباني، عن يزيد بن علقمة أن عُبادة بن النعمان التغلبي كان ناكحًا امرأةً من بني تميمٍ فأسلمت، فقال له عمر بن الخطاب ﵁: إما أن تُسلِم وإما أن نَنزِعها منك، فأبى، فنزعها عمر ﵁.

وقد تمسَّك بها من يرى عرض الإسلام على الثاني، فإن أبى فرِّق بينهما.

وهذه الآثار عن أمير المؤمنين لا تعارضَ بينها، فإن النكاح بالإسلام يصير جائزًا بعد أن كان لازمًا، فيجوز للإمام أن يُعجِّل الفرقة، ويجوز له أن يعرض الإسلام على الثاني، ويجوز إبقاؤه إلى انقضاء العدة، ويجوز للمرأة التربُّصُ به إلى أن يسلم، ولو مكثت سنين، كل هذا جائزٌ لا محذور فيه.

والنكاح له ثلاثة أحوالٍ:

- حال لزومٍ.

- وحال تحريمٍ وفسخٍ ليس إلا، كمن أسلم وتحته من لا يجوز ابتداء العقد عليها.

- وحال جوازٍ ووقفٍ، وهي مرتبةٌ بين المرتبتين لا يُحكم فيها بلزوم النكاح ولا بانقطاعه بالكلية، وفي هذه الحال تكون الزوجة بائنةً من وجهٍ دون وجهٍ.

ولما قدم أبو العاص بن الربيع المدينةَ في زمن الهُدْنة وهو مشركٌ،

  1. (١) علَّقه عنه ابن حزم (٧/ ٣١٣)، وهو في "المصنف" (١٨٦١٣) بنحوه.
443

سألت امرأته زينب بنت رسول الله ﷺ: هل ينزل في دارها؟ فقال: "إنه زوجك، ولكن لا يصل إليك"١.

فالنكاح في هذه المدة لا يُحكم ببطلانه، ولا بلزومه وبقائه من كل وجهٍ، ولهذا خيَّر أمير المؤمنين المرأة تارةً، وفرَّق تارةً، وعرض الإسلام على الثاني تارةً، فلما أبى فرَّق بينهما. ولم يفرِّق رسول الله ﷺ بين رجل وامرأته أسلم أحدهما قبل الآخر أصلًا، ولا في موضع واحدٍ.

قال مالك٢: قال ابن شهابٍ: كان بين إسلام صفوان بن أمية وامرأته بنتِ الوليد بن المغيرة نحوٌ من شهرٍ، أسلمت يوم الفتح، وبقي صفوان حتى شهد حنينًا والطائف وهو كافرٌ، ثم أسلم، فلم يفرِّق النبي ﷺ بينهما، واستقرَّت عنده امرأته بذلك النكاح.

قال ابن عبد البر٣: وشهرة هذا الحديث أقوى من إسناده.

وقال الزهري: أسلمت أم حكيمٍ يوم الفتح، وهرب زوجها عكرمة حتى

  1. (١) أخرجه الحاكم (٣/ ٣٢٦ - ٣٢٧) ــ وعنه البيهقي (٧/ ١٨٥) ــ من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: حدثني يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة. إسناده حسن إن صحَّ أن ابن إسحاق رواه موصولًا، وإلا فقد أخرجه ابن هشام في "السيرة" (١/ ٦٥٧) والطبري في "التاريخ" (٢/ ٤٧١) والطبراني في "الكبير" (٢٢/ ٤٣٠) من طريقين عن ابن إسحاق عن يزيد بن رومان مرسلًا.
  2. (٢) في "الموطأ" (١٥٦٥ - ١٥٦٦).
  3. (٣) "التمهيد" (١٢/ ١٩). وتمام كلامه: "لا أعلمه يتصل من وجه صحيح، وهو حديث مشهور معلوم عند أهل السير، وابن شهاب إمامها، وشهرة هذا الحديث ... ".
444

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي