وإسلامه أزيدُ من ثمان عشرة سنةً، وقد ولدتْ في خلال ذلك عليَّ بن أبي العاص.
وهذا الذي قاله أبو محمد هو الحق، وأنها لم تزل مسلمةً من حين بعث رسول الله ﷺ، ويمكن التوقيت بالسنتين أو بالست كان بين إسلامه وظهور إسلامها وإعلانه بالهجرة، فإن نساء المؤمنات كن يَستخفينَ من أزواجهن بالإسلام في مكة، فلما هاجر رسول الله ﷺ أظهر من هاجر معه منهن إسلامها، وزينب هاجرت بعد رسول الله ﷺ وبعد وقعة بدرٍ، فكان بين ظهور إسلامها بهجرتها وإسلامِ أبي العاص سنتان. وأما الست سنين فهي بين ظهورِ الإسلام العام بالهجرة وإسلامِ أبي العاص.
على أن عبد الرزاق١ قد ذكر عن ابن جريجٍ، عن رجلٍ، عن ابن شهابٍ قال: أسلمت زينب بنت رسول الله ﷺ وهاجرت بعد النبي ﷺ في الهجرة الأولى، وزوجها أبو العاص بن الربيع بمكة مشركٌ، ثم شهد أبو العاص بدرًا مشركًا، فأُسِر ففَدى وكان موسرًا، ثم شهد أحدًا مشركًا، ورجع إلى مكة ومكث بها ما شاء الله، ثم خرج إلى الشام تاجرًا فأُسِر بطريق الشام، أسره نفرٌ من الأنصار، فدخلت زينب على النبي ﷺ فقالت: إن المسلمين يُجِير عليهم أدناهم، فقال: "وما ذاك يا زينب؟ "، فقالت: أجرتُ أبا العاص،
(١) برقم (١٢٦٤٩)، وسنده ظاهر الانقطاع مع جهالة أحد رواته. وفي بعض متنه نكارة، وهو قوله: "ثم لم يُجِزْ جوارَ امرأةٍ بعدها"، فقد صحَّ أنه ﷺ أجاز جوار أم هانئ يوم الفتح.
فقال: "قد أجزتُ جِوارَكِ"، ثم لم يُجِزْ جِوارَ امرأةٍ بعدها، ثم أسلما١، فكانا على نكاحهما. وكان عمر خطبها إلى النبي ﷺ، فذكر لها النبي ﷺ ذلك، فقالت: أبو العاص يا رسول الله حيثُ علمتَ، وقد كان نِعَم الصهر، فإن رأيتَ أن تنتظره، فسكت النبي ﷺ عند ذلك.
قلت: قوله: "ثم أسلما" أي اجتمعَا على الإسلام، وإلا فزينب أسلمت قبله قطعًا، وهاجرت بعد بدرٍ قطعًا كما في "المسند" و"السنن"٢ من حديث عائشة ﵄ قالت: لما بَعثَ أهل مكة في فداء أسراهم بَعثتْ زينب في فداء أبي العاص بمالٍ، وبَعثتْ فيه بقلادةٍ لها كانت عند خديجة أدخلَتْها بها على أبي العاص. قالت: فلما رآها رسول الله ﷺ رقَّ لها رقَّةً شديدةً، وقال: "إن رأيتم أن تُطلِقوا لها أسيرَها وتردُّوا عليها الذي لها"، قالوا: نعم. وكان رسول الله ﷺ أخذ عليه أو وعدَه أن يُخلي سبيلَ زينبَ إليه، فبعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة ورجلًا من الأنصار، فقال: "كونا ببطن يَأْجَجَ٣ حتى تمرَّ
(١) كذا، وعليه شرح المؤلف الآتي. والظاهر أنه تصحيف في النسخة التي اعتمدها المؤلف، فإن الذي في جميع طبعات "المصنف": "أسلم" بالإفراد، وكذا فيما اطلعت عليه من النسخ الخطية، وكذا نقله ابن عبد البر في "الاستذكار" (١٦/ ٣٢٨). وهو مقتضى السياق، ففي أول الحديث: "أسلمت زينب ... ".
(٢) "مسند أحمد" (٢٦٣٦٢) و"سنن أبي داود" (٢٦٩٢) واللفظ له، وأخرجه أيضًا الطبراني في "الكبير" (٢٢/ ٤٢٧) والحاكم (٣/ ٢٣) بإسناد حسن.
(٣) يأجج: وادٍ ينصبُّ من مطلع الشمس إلى مكة، قريب منها. انظر: "معجم ما استعجم" (٢/ ١٣٨٥). وهو على ثمانية أميال من مكة كان ينزله عبد الله بن الزبير.