وقال قتادة: كان هذا قبل أن تنزل سورة براءة بقطع العهود بين المسلمين والمشركين١.
وقد روى عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ ردَّ ابنته إلى أبي العاص بن الربيع بنكاحٍ جديدٍ. وإذا كان هذا سقطَ القول في قصة زينب.
وكذلك قال الشعبي ــ مع علمه بالمغازي ــ: إن النبي ﷺ لم يردَّ زينب إلى أبي العاص إلا بنكاحٍ جديدٍ٢.
ولا خلاف بين العلماء في الكافرة تُسلم، ويأبى زوجها من٣ الإسلام حتى تنقضي عدتها، أنه لا سبيلَ له عليها إلا بنكاحٍ جديدٍ.
وهذا كله يتبين به أن قول ابن عباس ﵄: "ردَّها على النكاح الأول" أنه أراد به على مثل الصداق الأول إن صحَّ، وحديث عمرو بن
(١) أسنده الطحاوي في "معاني الآثار" (٣/ ٢٦٠).
(٢) أسنده الطحاوي في "معاني الآثار" (٣/ ٢٥٦) من طريق يحيى الحماني عن حفص بن غياث، عن داود بن أبي هند عنه. وفيه وصف الطحاوي للشعبي بقوله: "مع علمه بمغازي رسول الله ﷺ " كما هنا، فالظاهر أن ابن عبد البر صادر عنه. وفي صحَّة هذا القول عن الشعبي نظر، وذلك لضعف يحيى الحماني، ولأن سعيد بن منصور روى في "سننه" (٢١٠٧) عن هشيم عن داود عنه أن النبي ﷺ "ردَّها عليه بالنكاح الأول". هذا إسناد صحيح على رسم مسلم. وكذلك أخرج عبد الرزاق (١٢٦٤٠) من طريق جابر الجعفي، وابن سعد في "الطبقات" (١٠/ ٣٣) من طريق إسماعيل بن أبي خالد، كلاهما (جابر وإسماعيل) عن الشعبي بنحوه.
(٣) "من" ساقطة من المطبوع، وهي ثابتة في الأصل و"الاستذكار".
شعيبٍ عندنا صحيح. انتهى كلامه١.
قلت٢: أما كونها لم تَحِضْ في تلك السنين الست إلا ثلاثَ حِيَضٍ، فهذا مع أنه في غاية البعد، وخلاف ما طبع الله عليه النساء، فمثله لو وقع لَنُقِل، ولم ينقل ذلك أحدٌ، ولم يحدّ النبي ﷺ بقاء النكاح بمدة العدة حتى يقال: لعل عدتها تأخرت، فلا التحديدُ بالثلاث حيضٍ ثابتٌ، ولا تأخُّرُها ست سنين معتادٌ.
وأما ادعاء نسخ الحديث فأبعدُ وأبعدُ، فإن شروط النسخ منتفيةٌ، وهي وجود المعارض ومقاومته وتأخُّره، فأين معكم واحدٌ من هذه الثلاثة؟
وأعجب من هذا دعوى أن يكون الناسخ قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾[البقرة: ٢٢٦]، فإن هذا في المطلَّقات الرجعيات بنص القرآن واتفاق الأمة. ولم يقل أحدٌ: إن إسلام المرأة طلقةٌ رجعيةٌ يكون بعلُها أحقَّ بردها في عدتها، والذين يحكمون بالفرقة بعد انقضاء العدة لا يوقعونها من حين الإسلام، بخلاف الطلاق فإنه ينفُذ من حين التطليق، ويكون للزوج الرجعةُ في زمن العدة.
وأما قول الزهري: إن هذا كان قبل أن تنزل الفرائض، فكأنه أراد أن الحديث منسوخٌ. فيقال: وأين الناسخ له٣ من كتاب الله أو سنة رسوله؟ فإن