البراءة بين المسلمين والكفار قبل ذلك في سورة الممتحنة وغيرها، ولكن هذا لا يناقض تربُّصَ المرأة بنكاحها إسلام زوجها، فإن أسلم كانت امرأته وإلا فهي بريئةٌ منه.
وأما قوله: "وقد روى عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جده أنه ردَّها بنكاحٍ جديدٍ"، فلو وصل إلى عمرٍو لكان حجةً، فإنا لا ندفع حديث عمرو بن شعيبٍ، ولكن دون الوصول إليه مفاوزُ مُجدِبةٌ معطشةٌ لا تُسلَك، فلا يُعارَض بحديثه الحديثُ الذي شهد الأئمة بصحته.
وأما قول الشعبي: "إن النبي ﷺ لم يردَّها إلا بنكاحٍ جديدٍ"، فهذا إن صح عن الشعبي١ فإن كان قاله برأيه فلا حجة فيه، وإن كان قاله رواية فهو منقطعٌ لا تقوم به حجةٌ، فبينَ الشعبي وبين رسول الله ﷺ مفازةٌ لا يُدرى حالها.
وأما قوله: لا خلافَ بين العلماء في الكافرة تُسلم، ويأبى زوجها من٢ الإسلام حتى تنقضي عدتها، أنه لا سبيل له عليها إلا بنكاحٍ جديد٣ = فهذا قاله أبو عمر رحمه الله تعالى بحسب ما بلغه، وإلا فقد ذكرنا في المسألة٤ مذاهب تسعةً، وذكرنا مذهب عليّ، ولا يُحفَظ اعتبار العدَّة عن صاحبٍ
(١) وقد بينَّا أنه لا يصح، يل الصحيح عنه خلافه.
(٢) "من" ساقطة من المطبوع.
(٣) "جديد" ساقطة من المطبوع.
(٤) في المطبوع: "المسلمة" تحريف.
واحدٍ البتةَ، وأرفعُ ما فيه قول الزهري الذي رواه مالك عنه في "الموطأ"١، ولفظه: أن أم حكيم بنت الحارث بن هشامٍ أسلمت يومَ الفتح بمكة، وهربَ زوجُها عكرمة بن أبي جهل من الإسلام حتى قدِمَ اليمن، فارتحلت أم حكيمٍ حتى قدِمتْ على زوجها باليمن، ودَعتْه إلى الإسلام فأسلم، وقدِمَ على رسول الله ﷺ فبايعه، فثبَتا على نكاحهما ذلك.
قال ابن شهابٍ: ولم يبلغنا أن امرأةً هاجرت إلى الله وإلى رسوله، وزوجها كافرٌ مقيمٌ بدار الكفر، إلا فرَّقَت هجرتُها بينها وبين زوجها، إلا أن يَقْدَم زوجُها مهاجرًا قبل أن تنقضي عدَّتُها. وأنه لم يبلغنا أن امرأةً فُرِّق بينها وبين زوجها إذا قَدِم وهي في عدَّتها٢. فلا يُعرف في اعتبار العدة غيرُ هذا الأثر.
وأما قوله: "إنه ردَّها على النكاح الأول، أي: على مثل الصَّداق الأول"، فلا يخفى ضعفه وفساده، وأنه عكس المفهوم من لفظ الحديث، وقولُه: "لم يُحدِثْ شيئًا" يأباه. ونحن نذكر ألفاظ الحديث لنبيِّن أنها لا تحتمل ذلك:
ففي "المسند" و"السنن"٣ من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي
(١) رقم (١٥٦٨).
(٢) رواه مالك في "الموطأ" برواية يحيى الليثي (١٥٦٧) دون الجملة الأخيرة، فهي في "الموطأ" برواية ابن بكير (ق ٢٦٥ - نسخة جامعة اسطنبول). ومن طريق ابن بُكير عن مالك أخرجه البيهقي في "السنن" (٧/ ١٨٧) و"الخلافيات" (٦/ ١١٠). وأسنده عبد الرزاق (١٢٦٤٦) عن معمر عن ابن شهاب بنحوه.
(٣) "مسند أحمد" (١٨٧٦) و"سنن أبو داود" (٢٢٤٠)، وقد سبق تخريجه موسَّعًا.