أحكام أهل الذمة

حتى تحتجون١ عليه به؟ وهكذا نقول نحن وكل مسلم: إن الرجل إذا أسلم فحينئذٍ يصير له ما للمسلمين، وعليه ما عليهم، وأما قبل ذلك فلم يكن كذلك. فالحديث حجةٌ عليكم، فإنه لم يقل: أخبِرْهم أن عليهم ما على المسلمين قبل الإسلام. والذي على المسلم: أنه لا يُمكَّن من العقد على أختين ابتداءً ولا استدامةً.

وهكذا قوله ﷺ "كل عملٍ ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ"، وليس أمره ﷺ على الجمع بين الأختين والتزوج بأكثر من أربع، فلذلك كان ردًّا بالإسلام، وهو ﷺ لم يقل: إن ما كان في الجاهلية مما يخالف أمري ومضى وانقضى فهو ردٌّ، وإنما يُردُّ منه ما قام الإسلام وهو على خلاف أمره، وهكذا فعلَ سواءً، فإنه أبطل نكاح إحدى الأختين وما زاد على الأربع إذ ذلك خلاف أمره، وجعل الخيرةَ في المُمْسَكات إلى الزوج، وهذا نفس أمره، فما خالف هذا وهذا فهو ردٌّ، فالحديث حجةٌ على بطلان قولكم، وبالله التوفيق.

وأما قولكم: إن نكاح الخمس في عقد واحدٍ لا يختلف فيه حكم الابتداء والدوام، فكان باطلًا كنكاح ذوات المحارم، فجوابه من وجوهٍ:

أحدها: أن تحريم ما زاد على الأربع إنما كان من جهة الزيادة على العدد المباح، والزيادة يمكن إبطالها دون النصاب، فإن المفسدة تختص بها، فلا معنى لتعدية الإبطال إلى النصاب، فإن في ذلك إضرارًا به وتنفيرًا له عن الإسلام من غير مصلحةٍ، وقد أمكن إزالة المفسدة بمفارقة ما زاد على

  1. (١) كذا في الأصل بإثبات النون.
479

النصاب، فيبقى النكاح في حق الأربع صحيحًا، فهذا محض القياس، كما أنه مقتضى السنة. وهذا بخلاف نكاح ذوات المحارم، فإن المفسدة التي فيه لا تزول إلا ببطلان النكاح، لقيام سبب التحريم.

الوجه الثاني: أن تحريم الزائد على أربع إنما نشأ من جهة انضمامه إلى القدر الجائز، وإلا فكلُّ واحدةٍ منهن لو انفردت صح العقد عليها، بخلاف تحريم ذوات المحارم، فإنه ثابتٌ لذاتها وعينها، فقياس أحد النوعين على الآخر فاسدٌ.

الوجه الثالث: أن تحريم الزائد على الأربع أخفُّ من تحريم ذوات المحارم، ولهذا أبيح لنبينا ﷺ الزيادة على أربع، ولم تُبَحْ له ذوات المحارم، فلا يصح اعتبار أحد النوعين بالآخر. ونحن لا ننظر إلى ابتداء العقد كيف وقع، بل إلى حاله عند الإسلام، ولهذا قد ساعدتم١ على أنه لو تزوجها بغيرٍ ولي ولا شهودٍ ولا مهرٍ، أو في عدةٍ ثم انقضت، أو بغير تراضٍ= لم يُبطله الإسلام، فكذلك إذا عقد على خمسٍ لم نُبطله بالإسلام، وإنما يبطل الزائد على النصاب.

وأما قولكم: إن تحريم الزائد على الأربع إنما كان من جهة الجمع، فلم يفترق الحال فيه بين الابتداء والاستدامة، كعقد المرأة على زوجين= فما أفسدَه من قياسٍ! فإن هذا مما لم تختلف فيه الشرائع ولا الطبائع، ولا تُسوِّغه أمةٌ من الأمم على اختلاف أديانها وآرائها. وأما الجمع بين الأختين وبين

  1. (١) كذا في الأصل.
480

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي