النصاب، فيبقى النكاح في حق الأربع صحيحًا، فهذا محض القياس، كما أنه مقتضى السنة. وهذا بخلاف نكاح ذوات المحارم، فإن المفسدة التي فيه لا تزول إلا ببطلان النكاح، لقيام سبب التحريم.
الوجه الثاني: أن تحريم الزائد على أربع إنما نشأ من جهة انضمامه إلى القدر الجائز، وإلا فكلُّ واحدةٍ منهن لو انفردت صح العقد عليها، بخلاف تحريم ذوات المحارم، فإنه ثابتٌ لذاتها وعينها، فقياس أحد النوعين على الآخر فاسدٌ.
الوجه الثالث: أن تحريم الزائد على الأربع أخفُّ من تحريم ذوات المحارم، ولهذا أبيح لنبينا ﷺ الزيادة على أربع، ولم تُبَحْ له ذوات المحارم، فلا يصح اعتبار أحد النوعين بالآخر. ونحن لا ننظر إلى ابتداء العقد كيف وقع، بل إلى حاله عند الإسلام، ولهذا قد ساعدتم١ على أنه لو تزوجها بغيرٍ ولي ولا شهودٍ ولا مهرٍ، أو في عدةٍ ثم انقضت، أو بغير تراضٍ= لم يُبطله الإسلام، فكذلك إذا عقد على خمسٍ لم نُبطله بالإسلام، وإنما يبطل الزائد على النصاب.
وأما قولكم: إن تحريم الزائد على الأربع إنما كان من جهة الجمع، فلم يفترق الحال فيه بين الابتداء والاستدامة، كعقد المرأة على زوجين= فما أفسدَه من قياسٍ! فإن هذا مما لم تختلف فيه الشرائع ولا الطبائع، ولا تُسوِّغه أمةٌ من الأمم على اختلاف أديانها وآرائها. وأما الجمع بين الأختين وبين
(١) كذا في الأصل.
أكثر من أربع فقد كان جائزًا في بعض الشرائع، كما قال تعالى: ﴿وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ اَلْأُخْتَينِ إِلَّا مَا قَد سَّلَفَ﴾[النساء: ٢٣]، والجمع بين أكثر من أربع قد فعله داود وسليمان وخاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وبالجملة، فعقدُ الرجل على أكثر من امرأةٍ مصلحةٌ راجحةٌ، وعقدُ المرأة على أكثر من رجل مفسدةٌ خالصةٌ أو راجحةٌ، فاعتبار أحدهما بالآخر فاسدٌ عقلًا وطبعًا وشرعًا.
وأما قولكم: لو باع ذميٌّ درهمًا بدرهمين ثم أسلم لم يُخيَّر في أحد الدرهمين، كذلك لا يُخيَّر في الأختين= فما أفسده من قياسٍ! فإن الصرف إذا لم يقبض لم يلزم في العقد إن قبض ثم أسلم أن يفسخ١ العقد، فإنهم إذا تعاقدوا عقود الربا وتقابضوا ثم أسلموا لم نفسخها، وإن لم يتقابضوا لم نُمْضِها. وهكذا النكاح، فإنه إذا اتصل به الدخول، وسبب التحريم قائمٌ= أبطلناه، وإن كان قد انقضى لم نَعرِضْ له. وإنما لم نخيِّره في أحد الدرهمين، وخيَّرناه في إحدى الأختين؛ لأنه لا فائدة له في تخييره في أحد الدرهمين، ولا غرضَ له في ذلك ولا مصلحة، بخلاف تخييره بين إحدى الأختين. على أنه لا يمتنع أن يُخيَّر العقد في درهم بدرهمٍ، ويجعل له الخيار في أيهما شاء، فنفيُ الحكم في ذلك غير معلومٍ بنصٍّ ولا إجماعٍ.
وأما قولكم: العقد على الخمس في حال الشرك إما أن يقع صحيحًا أو فاسدًاإلى آخره، فجوابه من وجهين: