أحكام أهل الذمة

يدخل بهما.

ولو أسلم وله جاريتان إحداهما أمُّ الأخرى، وقد وطئهما جميعًا حرمتا عليه على التأبيد، وإن كان قد وطئ إحداهما حرمت الأخرى على التأبيد ولم تحرم الموطوءة، وإن كان لم يطأ واحدةً منهما فله وطءُ أيَّتِهما شاء، فإذا وطئها حرمت الأخرى على التأبيد.

فصل

فإن طلَّق إحداهما أو طلَّق ما زاد على الأربع١ ثبت النكاح في غير المطلَّقة، وكانت المطلَّقة هي المفارقة. ذكره شيخنا٢، وهذا أحد الوجهين لأصحاب أحمد والشافعي.

وقال الأصحاب: تكون المطلقة هي المختارة، وينفسخ نكاح البواقي، وهذا الذي قاله أصحاب الشافعي، وأظنه نصه. وقاله أصحاب مالك، ولكنه غير منصوصٍ عنه. وحجتهم أن الطلاق لا يكون إلا في زوجةٍ٣، قالوا: فتطليقه لها اختيارٌ لها، ويقع عليها الطلاق لأنها زوجةٌ، وقد أوقع عليها الطلاق، فتطلَّق، وينفسخ نكاح البواقي باختيار المطلَّقات.

قال القاضي٤: فإذا قال: أمسكتُ هذه، أو أمسكتُ نكاحها، أو

  1. (١) في الأصل: "الأربعة".
  2. (٢) انظر: "مجموع الفتاوى" (٣٢/ ٣٠٢).
  3. (٣) انظر: "المغني" (١٠/ ١٧).
  4. (٤) لم أجد كلامه فيما رجعت إليه من المصادر.
490

اخترتُها، أو اخترتُ نكاحها= لزم نكاحها وانفسخ نكاح من عداها. وإن قال: فسختُ نكاح هذه أو عقْدَها، أو أخرجتُها من حِبالي، أو تركتها، ونحو ذلك= كان ذلك فراقًا لها. فإن قال: فارقتُها، أو فارقتُ عقدها، أو سرَّحتُها= احتمل أن يكون فسخًا؛ لأنه يحتمله، فتَبِين منه ويبقى نكاح البواقي. واحتمل أن يكون اختيارًا لها، ويقع الطلاق؛ لأنه صريحٌ في الطلاق. وإن قال: طلَّقتُ هذه كان ذلك اختيارًا لنكاحها وطلاقًا؛ لأن الطلاق لا يوقع إلا في زوجةٍ، فتطليقه لها [يكون] اختيارًا وتطليقًا.

فإن وطئ واحدةً فقياس المذهب أنه يكون اختيارًا لها؛ لأنه قد نصّ على أن الوطء يكون رجعةً؛ لأن الوطء يدل على الرضا بها، فحصل بذلك الإمساك. ولهذا قلنا في الأمة إذا أعتقت تحت عبدٍ: لها الخيار، فإن وطئها قبل الخيار بطل خيارها؛ لأن تمكينها يدلُّ على الرضا، وكذلك إذا خيَّرها ثم وطئها كان وطؤها قطعًا لخيارها؛ لأنه يدل على الرغبة فيها والرجوع في طلاقها، خلافًا لأصحاب الشافعي: لا يكون الوطء اختيارًا لأنه لم يوضع لذلك، وكذلك لا تحصل به الرجعة.

والدليل على أن الوطء اختيارٌ: أنه يوجب الاختيار باللفظ ومقصودِه ومآلِه، فهو أقوى من مجرد قوله: اخترتها؛ لأن قوله: "اخترتها" جعل اختيارًا لدلالته على إيثاره لها ورضاه بها، فوطؤها أقوى في الدلالة من مجرد اللفظ. ولهذا كان الوطء رجعةً عند جمهور العلماء، وإنما نازع فيه الشافعي وحده.

إذا عُرِف هذا فالصواب أن تطليق إحداهن لا يكون اختيارًا لها، بل اختيارًا لغير المطلقة، والنبي ﷺ لما قال للديلمي: "طلِّقْ إحداهما" لم يُرِد

491

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي