أحكام أهل الذمة

فصل

واختلاف الدارين لا يوقع الفرقة، وإنما التأثير لاختلاف الدين.

قال أحمد في رواية ابن القاسم١: الزوجان على نكاحهما ما دامت في العدة، فإذا أسلمت فهما على نكاحهما لا يُفرَّق بينهما. وكان الشافعي يحتج على أصحاب أبي حنيفة إذا أسلمت وهي في دار الحرب، ثم أسلم هو: أنها امرأته، وكذلك أقول.

وقال أبو حنيفة٢: اختلاف الدارين يوقع الفرقة، فعنده إذا خرجت الحربية إلينا مسلمةً وخلفت زوجها في دار الحرب كافرًا وقد دخل بها٣ وقعت الفرقة بينهما في الحال.

وقد تناظر الشافعي هو ومحمد بن الحسن ــ رحمهما الله تعالى ــ في هذه المسألة، وساق الربيع المناظرة٤، فقال الشافعي: [إن] قال قائل: ما دلَّك على ذلك؟ قيل له: أسلم أبو سفيان بن حربٍ بمرِّ الظهران٥، وهي دار خزاعة، وخزاعة مسلمون قبل الفتح في دار الإسلام، ورجع إلى مكة وهند بنت عتبة

  1. (١) كما في "الجامع" للخلال (١/ ٢٦٥).
  2. (٢) انظر: "المبسوط" (٥/ ٥١)، و"فتح القدير" (٣/ ٢٩١).
  3. (٣) في الأصل: "بينهما".
  4. (٤) في "الأم" (٦/ ٣٩٤ - ٣٩٦). والزيادات بين المعكوفتين منه.
  5. (٥) مرّ الظهران: موضع على مرحلة من مكة، بينهما خمسة أميال. انظر: "معجم البلدان" (٥/ ١٠٤).
494

مقيمةٌ على غير الإسلام، فأخذت بلحيته وقالت: اقتلوا الشيخ الضال. ثم أسلمت هند بعد إسلام أبي سفيان بأيامٍ كثيرةٍ، وكانت كافرةً مقيمةً بدارٍ ليست بدار الإسلام يومئذٍ، وزوجها مسلم في دار الإسلام، وهي في دار حربٍ. ثم صارت مكة دارَ إسلام، وأبو سفيان بها مسلم، وهند كافرةٌ، ثم أسلمت قبل انقضاء العدة، فاستقرَّا على النكاح؛ لأن عدتها لم تنقضِ حتى أسلمت.

وكان كذلك حكيم بن حِزامٍ وإسلامه وأسلمت امرأة صفوان بن أمية، وامرأة عكرمة بن أبي جهل بمكة، فصارت دارهما دار الإسلام، وظهر حكم رسول الله ﷺ بمكة، وهرب عكرمة إلى اليمن وهي دار حربٍ [وصفوان يريد اليمن وهي دار حربٍ،] ثم رجع صفوان إلى مكة وهي دار الإسلام، وشهد حنينًا وهو كافرٌ، ثم أسلم، واستقرت عنده امرأته بالنكاح الأول [ورجع عكرمة وأسلم، فاستقرَّت عنده امرأته بالنكاح الأول،] وذلك أنه لم تنقض عدتها.

فقلت له: ما وصفتُ لك من أمرِ أبي سفيان وحكيمٍ وأزواجهما [وأمرِ صفوان وعكرمة وأزواجهما] أمرٌ معروفٌ عند أهل العلم بالمغازي. وقد حفظ أهل المغازي أن امرأةً من الأنصار كانت عند رجل بمكة، فأسلمت وهاجرت إلى المدينة، [فقدم زوجها] وهي في العدة، [فأسلم]، فاستقرَّا على النكاح. انتهى كلامه١.

وقد روى البخاري في "صحيحه"٢ عن ابن عباس ﵄ قال: كان

  1. (١) أي كلام الشافعي.
  2. (٢) برقم (٥٢٨٦) ومنه الزيادة.
495

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي