المشركون على منزلتين من النبي ﷺ والمؤمنين: [كانوا] مشركي١ أهل حربٍ يقاتلهم ويقاتلونه، [ومشركي أهل عهدٍ لا يقاتلهم ولا يقاتلونه. وكان إذا] هاجرت٢ امرأةٌ من أهل الحرب لم تُخطَب حتى تحيض وتطهر، فإذا طهرت حلَّ [لها] النكاح، فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح رُدَّت إليه.
فهذا هو الفصل في هذه المسألة، وهو الصواب.
وليس هذا الحيض هو العدة التي قدَّرها كثيرٌ من الفقهاء أجلًا لانقضاء النكاح، بل هو استبراءٌ بحيضةٍ تحلُّ بعدها للأزواج، فإن شاءت نكحت، وإن شاءت أقامت وانتظرت إسلام زوجها، فمتى أسلم فهي امرأته انقضت العدة أو لم تنقضِ. هذا الذي كان عليه أمر رسول الله ﷺ، وهو الصواب بلا ريبٍ.
قالت الحنفية: مَرُّ الظهران لم تكن صارت من بلاد الإسلام لأنها قريبةٌ من مكة، وهي كانت دار حربٍ، فكان حكم ما قرب منها حكمها إلى أن استولى النبي ﷺ على مكة وقهر أهلَها وغلبهم، فصارت هي وما حولها من دار الإسلام، فثبت بهذا أن أبا سفيان أسلم في دار الحرب، فلم تختلف به وبامرأته الدارُ.
قال الجمهور: أبو سفيان أسلم بمرِّ الظهران عند النبي ﷺ، وقد نزلها والمسلمون الذين معه وثبتتْ أيديهم عليها، وجرتْ أحكام الإسلام فيهم، وإذا كان كذلك كانت من دار الإسلام، وكانت في ذلك بمنزلة المدينة وسائر
(١) في الأصل: "مشركوا". والمثبت من البخاري.
(٢) في الأصل: "وإذا كانت إذا هاجرت". والمثبت من البخاري.
مدن الإسلام.
قالت الحنفية: ولا حجة لكم في هروب عكرمة بن أبي جهل يوم الفتح، وصفوان بن أمية إلى اليمن أو الطائف أو الساحل، حتى وافاهما نساؤهما، وأخذن١ لهما الأمان، فإن مكة لما فُتحت صار ما قرب منها من دار الإسلام، فساحل البحر قريبٌ منها. والطائف وإن كانت دار كفرٍ إذ ذاك، فليس في القصة أنه وصل إليها بل قصدها، ولعله لم يخرج من دار الإسلام، ولم يصل إليها.
وأما اليمن فإنها كانت قد صارت دار إسلام، وأقرَّ أهل الكتاب منهم بالجزية، وأما عبَّاد الأوثان فأسلموا على يد علي ومعاذٍ وأبي موسى، فلم تختلف الدار بين هؤلاء وبين نسائهم.
قال الجمهور: دار الإسلام هي التي نزلها المسلمون، وجرت عليها أحكام الإسلام، وما لم تجرِ عليه أحكام الإسلام لم يكن دار إسلام وإن لاصَقَها، فهذه الطائف قريبةٌ إلى مكة جدًّا، ولم تصر دار إسلام بفتح مكة، وكذلك الساحل.
وأما اليمن فلا ريبَ أنه كان قد فشا فيهم الإسلام، ولم يستوثق كلّ بلادها بالإسلام إلا بعد وفاة النبي ﷺ في زمن خلفائه، ولهذا أتوا بعد موت النبي ﷺ أرسالًا، وفتحوا البلاد مع الصحابة. وعكرمة لم يهرب من الإسلام إلى بلد إسلام، وإنما هرب إلى موضع يرى أن أهله على دينه.