أحكام أهل الذمة

تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى اَلْكُفّارِ﴾، ثم قال: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾.

وأما قوله: ﴿وَءَاتُوهُم مَّا أَنفَقُوا﴾، فقد تنازع الناس فيه، فقالت طائفةٌ: هذا منسوخٌ١، وإنما كان ذلك في الوقت الذي كان يجب فيه ردُّ المهر إلى الزوج الكافر إذا أسلمت امرأته، وهذا عندكم أيضًا منسوخٌ.

وأما من لم يره منسوخًا فلم يجب عنده ردُّ المهر لاختلاف الدارين، بل لاختلاف الدين ورغبة المرأة عن التربُّص بإسلامه، فإنها إذا حاضت حيضةً ملكت نفسها، فإن شاءت تزوجت، وحينئذٍ تردُّ عليه مهره، وإن شاءت أقامت وانتظرت إسلامه.

وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾، فإنما ذلك بعد انقضاء عدتها، ورغبتها عن زوجها وعن التربص بإسلامه، كما قال تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٢٨]، والمراد بعد انقضاء عدتها ورضاها.

وأما قوله: ﴿وَلَا تُمَسِّكُوا بِعِصَمِ اِلْكَوَافِرِ﴾، فهذا لا يدلُّ على وقوع الفرقة باختلاف الدار، وإنما يدلُّ على أن المسلم ممنوع من نكاح الكافرة المشركة، ونحن لا نقول ببقاء النكاح مع شركها، بل نقول: إنه موقوفٌ، فإن أسلمت في عدتها أو بعدها فهي امرأته.

قالت الحنفية: زوجان اختلفت بهما الدار فعلًا وحكمًا، فوجب أن تقع

  1. (١) انظر: "الدر المنثور" (١٤/ ٤٢٤).
500

الفرقة بينهما، أصله الحربية إذا دخلت دار الإسلام بأمانٍ، ثم أسلمت قبل الدخول، وإذا سُبِي الزوج وأُخرج إلى دار الإسلام فإن الفرقة تقع، كذلك هاهنا.

قال الجمهور: هذا منتقضٌ بما ذكرنا من انتقال المسلم إلى دار الحرب، ودخول الحربية إلى دار الإسلام، ودخول الحربي بأمانٍ لتجارةٍ أو رسالةٍ.

وأما الحربية إذا دخلت دار الإسلام وأسلمت فالموجب للفرقة هناك اختلاف الدين دون اختلاف الدارين، ألا ترى أنه لو وجد ذلك في دارٍ واحدةٍ كان الحكم كذلك.

وأما السِّباء فليست العلة في الفرقة فيه اختلاف الدارين، ولا طَريانُ الرق، لأنا نحكم بالفرقة قبل حصول المرأة في دارنا بظهور الإمام عليها، ولأنا لا نحكم بالفرقة بسبب طريان الرقّ عليهما. ولهذا لو سُبي الزوجان معًا فهما على نكاحهما. وإنما نحكم بالفرقة لأن الغالب أن السباء إذا وقع في أحد الزوجين فلا سبيلَ إلى معرفة بقاء الزوج أو هلاكه، فينزل المجهول المشكوك فيه كالمعدوم.

قالوا: ولا يلزمنا هذا١ إذا علمنا وجود الزوج في دار الحرب؛ لأنه نادرٌ، والغالب عدم العلم به.

قالوا: ولهذا المعنى حكمنا بإسلام الطفل بإسلام سَابِيه؛ لأنه لا سبيلَ

  1. (١) في الأصل: "على هذا".
501

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي