أحكام أهل الذمة

كان نادرًا وهو معلومٌ كان بمنزلة المفقود في المَهْلَكة إذا عُلم بقاؤه، ومثل هذا لا يقال فيه: نادرٌ، ونكاح الأول قائمٌ، ووجود الزوج مقطوعٌ به، هذا في غاية الفساد.

والصواب الذي دلَّ عليه القرآن وسيرةُ النبي ﷺ في السبايا والقياسُ: أن النكاح ينفسخ بسباء المرأة مطلقًا، فإنها قد صارت مِلكًا للسابي، وزالت العصمة عن ملك الزوج لها، كما زالت عن ملكه لرقبتها ومنافعها. وهذا اختيار أبي الخطاب وشيخنا١، وهو مذهب الشافعي.

وأما قولهم: إنا إنما حكمنا بإسلام الطفل بإسلام سَابِيه؛ لأنه لا سبيلَ إلى معرفة أبويه غالبًا، فجعلناه كالمحقَّق، وإن علمنا وجودهما حكمنا بإسلامه أيضًا؛ لأنه نادرٌ= فالصحيح خلاف هذا القول، وأنه يُحكم بإسلامه تبعًا لسابيه، ولو كان مع الأبوين أو أحدهما، فهذا أنصُّ٢ الروايتين عن أحمد، وهو مذهب الأوزاعي وأهل الشام٣، فإن السابي له أحقُّ به من أبويه، وقد انقطعت تبعيته للأبوين بسباء المسلم له، وهو مولودٌ على الفطرة، وإنما جعلناه على دين أبويه تبعًا لهما، فإذا زالت التبعية صار مالكه أولى به، وصار تابعًا له.

قالت الحنفية: فإن اختلاف الدارين يؤثِّر في قطع العصمة، ألا ترى أن

  1. (١) انظر: "مجموع الفتاوى" (٣١/ ٣٨٠)، و"الأوسط" لابن المنذر (١١/ ٢٩٢).
  2. (٢) في الأصل: "أقصى". والمثبت من هامشه.
  3. (٣) انظر: "المغني" (١٣/ ١١٥). وسيأتي الكلام عليه (٢/ ٨٥ وما بعدها).
503

ذميًّا لو مات في دار الإسلام وخلف مالًا وله ورثةٌ من أهل الحرب في دار الحرب لم يستحقوا من إرثه شيئًا، وجُعل ماله في بيت المال لاختلاف الدارين، ولو كان ورثته ذميين في دار الإسلام لكانوا هم أحقَّ بتركته من جماعة المسلمين، لأنه لم يختلف به وبهم الدار. وكذلك لو سُبي من أهل الحرب دون أبويه فمات صُلِّي عليه، لأنه اختلف به وبأبويه الدار، فانقطعت العصمة بينه وبينهما، فصار مسلمًا بالدار كاللقيط، ولو سُبي مع أبويه أو أحدهما فمات لم يُصلَّ عليه، لأنه لم يختلف به وبهما أو بأحدهما الدارُ.

قال الآخرون: انقطاع الإرث بينهما لم يرجع إلى اختلاف الدارين، لكن رجع إلى قطع الموالاة والنصرة، ولهذا لو كان ذميًّا في دار [الإسلام]١ فدخل قريبه الحربي مستأمنًا ليقيم مدةً ويرجع إلى دار الحرب لم يتوارثا، وإن كانت الدار واحدةً.

وكذلك إذا سُبي الصبي دون أبويه ومات فإنه يصلَّى عليه، وإن كان موته في دار الحرب، لأنا نحكم بإسلامه بإسلام سَابِيه. وعلى أنا لا نسلِّم انقطاع التوارث بينهما، فإن يعقوب بن بختان سأل أحمد عن رجل من أهل الذمة دخل بأمانٍ فقتله رجل من المسلمين، فقال: يُبعث بديته إلى أهل بلاده٢. فقد نصَّ على أن ديته يُنفذ بها إلى بلاده، وإنما أراد بذلك إلى

  1. (١) زيادة ليستقيم السياق.
  2. (٢) لم أجد هذه الرواية، وهي برواية الأثرم في "المغني" (٩/ ١٥٨). وهو قول مالك أيضًا كما في "الأوسط" لابن المنذر (٦/ ٣١١).
504

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي