يصدر هذا الكتاب حسب المنهج المتبع عندنا في التحقيق، وقد شرحناه مرارًا في مقدمات الكتب التي صدرت من قبل. وكان المطلب الأساسي عندنا الحصول على مصورة النسخة الخطية الوحيدة والمقابلة عليها، فقد كانت طبعة الدكتور صبحي الصالح ﵀ بالاعتماد على نسخة منسوخة حديثًا عن الأصل، وكانت فيها أخطاء كثيرة وسقط وتحريف في مواضع، كما ذكر ذلك المحقق في مقدمة تحقيقه وفي هوامشه، وقد حاول أن يصحح كثيرًا من الأخطاء ويستدرك السقط بالرجوع إلى مصادر المؤلف وباجتهاده الشخصي أحيانًا، ووضع كل زيادة بين معكوفتين، وأشار في الهوامش إلى ما في النسخة المنسوخة من أخطاء.
والنسخة الخطية الوحيدة للكتاب توجد في مكتبة المدرسة المحمدية في تِشينَّاي (مَدْراس) بالهند، وقد كنت أنا (محمد عزير شمس) سافرت إليها قبل عشرين عامًا، ثم سافرت إليها مرة ثانيةً فيما بعد، واطلعتُ على النسخة وقابلتُ بعضَ الصفحات الأولى من المطبوع عليها، فوجدت التحريف والسقط في مواضع عديدة، وحاولت تصوير النسخة بشتى الطرق وبواسطة عدد من الأصدقاء والوجهاء، إلّا أن القائمين على المكتبة لم يسمحوا بذلك، فتأخّر تحقيق الكتاب في انتظار الحصول على صورة النسخة حتى صدرت معظم مؤلفات الإمام ابن القيم في هذه السلسلة، ولم يبقَ إلّا هذا الكتاب. وحينئذٍ قرَّرت الجهة الراعية للمشروع أن أسافر إلى المكتبة مرةً
ثالثةً لمقابلة المطبوع على المخطوط. فسافرتُ إليها في منتصف جمادى الأولى سنة ١٤٤٠، وبقيتُ شهرًا هناك حتى أتممتُ أكثر المقابلة.
وقد ساعدني في المقابلة شابٌّ مجتهد من أهل البلد تعلَّم اللغة العربية في مدة وجيزة، فصار يتكلم بطلاقة ويقرأ الكتب المطبوعة والمخطوطة بسهولة، وهو الأخ/سيد منير أحمد. وقد قام أيضًا بتصوير أوراق متفرقة من مواضع مختلفة من المخطوط بالجوال بعدما سمح بذلك ــ هذه المرة ــ القائم على المكتبة الأستاذ مجيد سعيد، فجزاهما الله أحسن الجزاء عن العلم وأهله.
ونحمد الله ﷾ على أنه يَسَّر لنا الاستفادة من الأصل مباشرةً، وتصوير صفحات كثيرة منه ومقابلتها التي حلَّت كثيرًا من الإشكال، وصححت الأخطاء والتحريفات، وسدّت الخروم، التي بلغت أحيانًا أكثر من سطر.
وكانت النسخة الخطية ــ على قِدمها وجودتها في الجملة ــ وقع فيها كثير من التحريف والسقط، فقمنا بالتصحيح والاستدراك بمراجعة المصادر الأخرى، وبالتأمُّل في السياق، وبتقليب الكلمات على أوجه مختلفة، حتى استقام النصُّ إن شاء الله.
ثم خدمناه بالتوثيق والتعليق وتخريج الأحاديث والنصوص والأخبار على المنهج المتبع في المشروع، وأشرنا في الهوامش إلى ما في المطبوع من أخطاء، وقصدنا به طبعة الدكتور صبحي الصالح دون غيرها. وقد ساعدنا في تخريج بعض الأحاديث في الجزء الثاني الأخ سراج منير الباحث في المشروع.