أحكام أهل الذمة

منهن قبل الاختيار في حكم الزوجة، ولهذا له اختيارها وعليه نفقتها، وإنما عُلِم خروجها عن زوجيته باختيار غيرها، فكان اختيار غيرها فراقًا لها، فتكون البينونة من حين ثبتت مفارقتها، وقد صرَّح الأصحاب بأنه إذا اختار منهن أربعًا وفارق البواقي فعدتهن من حين الاختيار، لا من حين إسلامه.

فصل١

وإن اختار أربعًا وفارق البواقي، فماتت إحدى المختارات، أو بانت منه وانقضتْ عدتها، فله أن ينكح من المفارقات تمام أربع، وتكون عنده على طلاق ثلاثٍ، لأنه٢ لم يطلقها قبل ذلك.

وإن اختار أقلَّ من أربع، بأن اختار واحدةً من ثمانٍ، أو اختار ترْكَ الجميع، فقال في "المغني"٣: أُمر بطلاقِ أربعٍ أو تمامِ أربع، يعني: أُمر بطلاق أربعٍ فيما إذا اختار ترك الثمان، أو بتمام أربعٍ فيما إذا اختار واحدةً وترك السبع. قال: لأن الأربع زوجاتٍ لا يَبِنَّ منه إلا بطلاقٍ أو ما يقوم مقامه.

قلت: اختياره ترْكَ الجميع أو الأكثرِ كافٍ في فسخ نكاحهن، فلأيِّ شيء يؤمر بطلاقِ أربعٍ في إحدى الصورتين، وتمامِ أربعٍ في الصورة الثانية؟

قوله: لأن الأربع زوجاتٍ لا يَبِنَّ منه إلا بطلاقٍ أو ما يقوم مقامه، فلا ريبَ أن اختياره ترْكَهن قائمٌ مقام الطلاق في إحدى الصورتين، فإنه إذا قال:

  1. (١) انظر: "المغني" (١٠/ ١٨).
  2. (٢) في الأصل: "لأنهن". والمثبت من "المغني".
  3. (٣) (١٠/ ١٨).
517

اخترتُ ترْكَهن كان بمنزلة قوله: اخترتُ فراقهن، وهذا كافٍ في مفارقتهن، واختيارُه بعضهن فسخٌ لنكاح من عدا المختارات، فإن قوله: اخترت هذه هو اختيارٌ لها ومفارقةٌ لمن عداها، كما لو قال: اخترتُ هؤلاء الأربع فإنه لا يلزمه أن يطلق الأربع البواقي، بل بمجرد اختياره للأربع تَبِينُ منه البواقي.

فإن قيل: الفرق بين الصورتين أنه إذا اختار أربعًا كنّ هنّ الزوجات، فانفسخ نكاح من سواهن لزيادتهن على النصاب، فلا يحتاج أن يطلِّقهن، ولا ينشئ ما يقوم مقام طلاقهن، بخلاف ما إذا اختار واحدةً من ثمانٍ فإنه لا يكون اختيارها فراقًا لمن عداها، فلهذا أمرناه بطلاقِ أربعٍ أو تمامِ أربعٍ.

قيل: هذا لا يصحُّ أولًا لأنه قد يريد فراق الجميع أو مَن عدا المختارة، فكيف يؤمر بطلاق أربعٍ وهو مريدٌ لفراق الثمان؟ هذا لا معنى له.

وقوله: اخترتُ تركَهن ومفارقتهن ونحو ذلك قائمٌ مقام الطلاق، وكافٍ في فسخ نكاحهن.

وأيضًا فإن قوله: اخترتُ هذه جعل إبقاءً لنكاح المختارة، وفسخًا لنكاح من عداها، كما لو قال: اخترتُ هؤلاء الأربع.

فصل

فإن قال: كلَّما أسلمت واحدةٌ اخترتُها، فقال الأصحاب١: لا يصح، لأن الاختيار لا يصح تعليقه على الشرط، ولا يصح في غير معيَّنٍ.

  1. (١) "المغني" (١٠/ ٢٠).
518

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي