أحكام أهل الذمة

فقال الأثرم١: سألت أبا عبد الله عن الرجل تزوَّج المرأة على أنه إن جاءها بالمهر إلى كذا وكذا، وإلا فلا نكاح بيننا. فقال: لا أدري، فقيل له: حديث ابن عباس: النكاح ثابتٌ والشرط فاسدٌ؟ قال: نعم.

ونقل عنه ابن منصورٍ٢: إذا قال: إن جئت بالمهر إلى كذا وكذا، وإلا فليس بيننا نكاحٌ، فالنكاح والشرط جائزان.

وهذا هو الذي تقتضيه أصوله وقواعد مذهبه، ومَن ضعَّف هذه الرواية لم يضعِّفها بما يقتضي تضعيفها. وغاية ما قالوا: أن النكاح مما لا يدخله الخيار، فشرطه فيه يفسده كالصرف والسلم.

فيقال: نَقْنَع منكم بسؤال المطالبة، وهو تأثير الوصف في الأصل وثبوته في الفرع، ثم نتبرع بالفرق بأن السلم والصرف يجب تسليم العوض فيه في مجلس العقد بخلاف النكاح.

قالوا: الخيار ينفي الإباحة في وقتٍ يقتضي إطلاق العقد ثبوته، فصار كما لو تزوَّجها شهرًا.

وحقيقة هذا القياس التسويةُ بين العقد المطلق والمقيَّد، وهذا منتقضٌ بسائر الشروط التي تثبت في العقد المقيَّد دون المطلق. ثم يقال: كون العقد المطلق لا يقتضي ثبوتها لا يقتضي أن العقد المقيّد لا يقتضي ثبوتها، بل

  1. (١) لم أجد هذه الرواية في المصادر.
  2. (٢) أشار في "المغني" (٩/ ٤٨٨) إلى هذه الرواية.
521

مقتضى العقد المقيَّد ما قيِّد به، فهذا إذن مقتضى هذا العقد، وإن لم يكن مقتضى العقد المطلق.

قالوا: فقد قال أحمد في رواية حنبلٍ١: المتعة حرامٌ، وكلُّ نكاحٍ فيه وقتٌ أو شرطٌ فهو فاسدٌ.

قيل: هذا لفظ عامٌّ، وما ذكرناه عنه فهو خاصٌّ. وكلام "المغني"٢ يقيِّد مطلقَه بمقيَّده وخاصَّه بعامِّه، كيف وقد عُلِم من مذهبه تخصيص هذا العام؟ فإنه يصحح النكاح بشرط٣ أن لا يُخرجها من دارها، وأن لا يتزوج ولا يتسرَّى عليها، ومتى فعل ذلك فلها الخيار، وهذا نظير إن جاءها بالمهر إلى وقت كذا، وإلا فلها الخيار، فالصواب التسوية بينهما.

وقوله: "كل نكاحٍ فيه وقتٌ أو شرطٌ فهو فاسدٌ"، إنما أراد به شرط التحليل كما صرح به في غير موضع، ولهذا قرنَه بالمتعة، والجامع بينهما أن المستمتع والمحلِّل لا غرضَ لهما في نكاح الرغبة.

فإن قيل: قياس قواعده وأصوله بطلان هذا النكاح المشروط فيه الخيار؛ لأنه قد أبطل نكاح المحلل لما فيه من الشرط المانع من لزومه.

قيل: هو لم يُبطل نكاح المحلِّل لذلك، وإنما أبطله لأنه نكاحٌ محرَّمٌ،

  1. (١) كما في "الهداية" للكلوذاني (ص ٣٩٣).
  2. (٢) فيه (٩/ ٤٨٣): "وإذا تزوَّجها وشرَطَ أن لا يُخرِجها من دارها أو بلدها فلها شرطها ...، وإن تزوَّجها وشرط لها أن لا يتزوَّج عليها فلها فراقه إذا تزوَّج عليها".
  3. (٣) "بشرط" ساقطة من المطبوع.
522

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي