أحكام أهل الذمة

أحدهما: أن لا يتحاكموا فيها إلينا، فإن تحاكموا فيها إلينا لم نُقِرَّهم على ما لا مساغَ له في الإسلام.

الثاني: أن يعتقدوا إباحة ذلك في دينهم، فإن كانوا يعتقدون تحريمه وبطلانه لم نُقِرَّهم عليه، كما لا نُقِرُّهم على الربا وقَتْلِ بعضهم بعضًا وسرقةِ أموال بعضهم بعضًا، وقد رجم رسول الله ﷺ اليهوديين لما زنيا، ولم يُقِرَّهم على ذلك.

فإن قيل: فهل تُقِرُّون المجوس على نكاح ذوات محارمهم لاعتقادهم جوازَ ذلك، إذا لم يترافعوا إلينا؟

قيل: هذه المسألة فيها روايتان عن الإمام أحمد:

إحداهما: أنهم يُقَرُّون على ذلك، نصَّ عليه في رواية مهنا١، وقد سأله عن المجوسي هل يُحال بينه وبين التزويج بمحرمٍ؟ وذكر له حديث عمر: فرِّقوا بين كل ذاتِ مَحرمٍ من المجوس٢. فقال: قال الحسن ــ يعني البصري ــ بعث النبي ﷺ العلاء بن الحضرمي إلى البحرين، فأقرَّهم على ذلك ولم يَهِجْهم٣.

وقال في رواية أبي طالب٤: لا يُفرَّق بين حريمه وبينه، إنما قال: "سُنُّوا

  1. (١) "الجامع" للخلال (١/ ٢٣٧).
  2. (٢) أخرجه البخاري (٣١٥٦)
  3. (٣) قول الحسن أخرجه سعيد بن منصور (٢١٨٣) والبيهقي في "السنن" (٨/ ٢٤٨).
  4. (٤) "الجامع" للخلال (١/ ٢٣٨).
528

بهم سنةَ أهل الكتاب"، وليس هم أهل كتابٍ.

فإن قيل: فهل تُقِرُّونهم على الزنا واللواط والربا، وهو دون نكاح الأم والبنت؟

قيل: لا نُقِرُّهم عليه، نصَّ عليه أحمد في رواية إبراهيم بن أبانٍ١ في مجوسي في زُقاقٍ ليس له منفذٌ، وطريق المسلمين عليه، وهو يزني٢ على الطريق، فقال: يُخرَج ولا يُترك؛ لأن المسلمين يزنون معه.

والفرق بين إقراره على نكاح محرمه وإقراره على الزنا والربا واللواط: أن ذلك يتعدَّى ضرره إلى المسلمين، وأما نكاح محرمه فيختص ضرره به دون المسلمين.

وعارض أحمد قولَ٣ عمر ﵁ بإقرار النبي ﷺ، فإن النبي ﷺ أخذ الجزية من المجوس ولم يشترط عليهم تركَ أنكحتهم، ولم يفرِّق بينهم وبين أزواجهم من ذوات المحارم مع علمه بما هم عليه. ومضى على ذلك الصديق ﵁ خلفه. وهم إنما بذلوا الجزية ليقَرُّوا على كفرِهم وشركهم

  1. (١) المصدر السابق (٢/ ٤٧١). وفيه: "إبراهيم أن أباه" وهو تحريف، وهو إبراهيم بن أبان الموصلي، له عن الإمام أحمد مسائل. انظر: "طبقات الحنابلة" (١/ ٩٣).
  2. (٢) كذا في الأصل هنا وفيما بعد، والذي في "الجامع": "يُربي" و"يُربون" من الربا. وقد أشار محققه إلى أن في نسخة (ح) منه كما هنا. وعلى مثل هذه النسخة يكون اعتمد ابن القيم.
  3. (٣) في الأصل: "بعد". والمثبت يقتضيه السياق.
529

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي