والثاني: لا يُقرّ، لأنها لا يُقَرُّ المسلم على نكاحها، فلا يُقرُّ الذمي عليه.
وعندي أنه إن اعتقد جواز هذا النكاح أُقِرَّ عليه، وإن اعتقد تحريمه لم يُقَرَّ.
فإن قيل: فإن أسلموا على ذلك فهل يحتاج إلى تجديد النكاح أم يستمرُّون عليه؟
قيل: يحتمل أن يقال: لا بدَّ من تجديد النكاح؛ لأن الأول لم يكن نكاحًا يعتقدون صحته. ويحتمل أن يقال ــ وهو أصح ــ: لا يحتاج إلى تجديد نكاحٍ، والإسلام صحَّح ذلك النكاح كما يصحِّح الأنكحة الفاسدة في حال الكفر إذا لم يكن المفسد قائمًا.
وأما حكم الولد هل يتبع أباه أو أمه، فالولد يتبع خيرَ أبويه دينًا، فإن نكح الكتابي مجوسيةً فالولد كتابي، وإن وطئ مجوسيٌّ كتابيةً بشبهةٍ، فالولد كتابي أيضًا، وإن كان أحدهما يهوديًّا والآخر نصرانيًّا، فالظاهر أن الولد يكون نصرانيًّا، وصرَّح به أصحاب أبي حنيفة، فإن النصارى تؤمن بموسى والمسيح، واليهود تكفُر بالمسيح، فالنصارى أقرب إلى المسلمين، واليهود خيرٌ من منكري النبوات، وكلما كان إيمان الرجل بالنبوات أكثر كان خيرًا ممن ينكر ما صدّق به.
وأيضًا فإن اليهود بعد مبعث عيسى خرجوا عن شريعة موسى وعيسى جميعًا، فإن شريعة موسى موقَّتةٌ بمجيء المسيح، فكان يجب عليهم اتباعه،
ولهذا قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾[المائدة: ٨٤]، ولذلك أبقى الله سبحانه للنصارى مملكةً في العالم، وسلب اليهود مُلْكَهم وعزَّهم بالكلية إلى قيام الساعة١.
فصولٌ في أحكام مهورهم
قال إسحاق بن منصورٍ٢: قلت لأبي عبد الله: نصراني تزوج نصرانيةً على قُلَّةٍ٣ من خمرٍ، ثم أسلما. قال: إن دخل بها فهو جائزٌ، وإن لم يكن دخل بها فلها صداق مثلها.
وقال مهنا٤: سألت أبا عبد الله عن نصراني تزوج نصرانيةً على خنزيرٍ أو على دَنِّ٥ خمرٍ، ثم أسلموا٦، فحدثني عن يحيى بن سعيد عن ابن جريجٍ أنه قال لعطاءٍ: أَبلغَك أن رسول الله ﷺ أقرَّ أهلَ الجاهلية على ما
(١) وما نرى اليوم من شوكتهم ودولتهم فهو كما قال تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾[آل عمران: ١١٢]. والواقع أكبر شاهدٍ على ذلك.
(٢) كما في "الجامع" للخلال (١/ ٢٣٤، ٢٣٥). وهو في "مسائله" (١/ ٤٢٨).
(٣) هي الجرَّة الكبيرة من الفخّار وغيره.
(٤) "الجامع" (١/ ٢٣٤).
(٥) الوعاء الكبير للخمر ونحوها، يكون مدبب القعر لا يثبت على الأرض إلّا أن يُحفر له.
(٦) كذا في الأصل و"الجامع". وغيّره في المطبوع إلى "أسلما".