وقال مهنا١: سألت أبا عبد الله عن نصراني أو يهودي أسلمت ابنته، أيزوِّجها أبوها وهو نصراني أو يهودي؟ قال: لا يزوِّجها. فقلت له: فإن زوّجها، قال لا يجوز النكاح. قلت: فعلَ وأذنت الابنة. قال: يعيد النكاح. قلت: يسافر معها؟ قال: لا يسافر معها، ثم قال لي: ليس هو بمَحْرمٍ.
فقد نصَّ على أن مَحْرم المسلمة لا يكون كافرًا.
فإن قيل: فأنتم لا تمنعون من النظر إليها، والخلوة بها، وكونهما في بيت واحدٍ.
قيل: بل نمنعه إذا كان مجوسيًّا، كما نصَّ عليه أحمد. وأما اليهودي والنصراني فلا يؤمن عليها في السفر أن يبيعها أو يقتلها بسبب عداوة الدين، وهذا منتفٍ في خلوته بها، ونظره إليها في الحضر، فافترقا. والمقصود من المَحْرم كمالُ الحفظ والشفقة، وعداوة الدين قد تمنع كمال ذلك.
فصل
فإن قيل: فما تقولون في وجوب الإنفاق على الأقارب مع اختلاف الدين؟ لقوله ﵎: ﴿وَعَلَى اَلْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾[البقرة: ٢٣١]، واختلاف الدين يمنع الميراث.
[قيل: إن كانوا من غير عمودي النسب لم تجب نفقتهم مع اختلاف الدين]٢،
(١) المصدر نفسه (١/ ٢٣١).
(٢) زيد ما بين المعكوفتين ليستقيم السياق. وانظر: "زاد المعاد" (٦/ ١٥٢).
وأما عمود النسب ففيهم روايتان١:
إحداهما: لا تجب نفقتهم لذلك.
والثانية: تجب لتأكد قرابتهم بالعصبة٢.
وحكى بعض الأصحاب في وجوب نفقة الأقارب مطلقًا مع اختلاف الدين وجهين، وهذه الطريقة أفقه، فإن اختلاف الدين٣ إن منع وجوب الإنفاق منع في سائر الأقارب، وإن لم يكن مانعًا لم يمنع في حق قرابة الكلالة، كالرقّ والغنى. فأما أن يكون مانعًا في قرابةٍ دون قرابةٍ فلا وجه له، ولا يصح التعليل بتأكد القرابة؛ لأن الأخ والأخت أقرب من أولاد البنات.
والذي يقوم عليه الدليل وجوب الإنفاق وإن اختلف الدينان، لقوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾[العنكبوت: ٧]، ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾[لقمان: ١٤]، وليس من الإحسان ولا من المعروف تركُ أبيه وأمه في غاية الضرورة والفاقة، وهو في غاية الغنى. وقد ذمَّ الله ﵎ قاطعي الرحم، وعظَّم قطيعتها، وأوجب حقّها وإن كانت كافرةً، قال تعالى: