والمقصود أن الله سبحانه أباح لنا المحصنات من أهل الكتاب، وفعله أصحاب نبينا ﷺ، فتزوج عثمان نصرانيةً، وتزوج طلحة بن عبيد الله نصرانيةً، وتزوج حذيفة يهوديةً.
قال عبد الله بن أحمد١: سألت أبي عن المسلم يتزوج النصرانية أو اليهودية؟ فقال: ما أُحِبُّ أن يفعل ذلك، فإن فعل فقد فعل ذلك بعض أصحاب النبي ﷺ.
وقال صالح بن أحمد٢: حدثني أبي، ثنا محمد بن جعفرٍ، حدثنا سعيد، عن قتادة: أن حذيفة بن اليمان وطلحة بن عبيد الله والجارود بن المعلَّى ــ وذكر آخر ــ تزوَّجوا نساءً من أهل الكتاب، فقال لهم عمر: طلِّقوهن، فطلَّقوا إلا حذيفة. فقال عمر: طلِّقْها. فقال: تشهد أنها حرامٌ؟ قال: هي جَمْرةٌ٣، طلِّقها. فقال: تشهد أنها حرامٌ؟ فقال: هي جَمْرةٌ! قال حذيفة: قد علمتُ أنها جَمْرةٌ، ولكنها لي حلالٌ. فأبى أن يطلِّقها. فلمَّا كان بعدُ طلَّقَها، فقيل له: ألا طلَّقتَها حين أمرك عمر؟ فقال: كرهتُ أن يظن الناس أني ركبتُ أمرًا لا ينبغي.
(١) "الجامع" للخلال (١/ ٢٤٠)، وفيه أنها رواية حنبل عن أحمد.
(٢) "الجامع" (١/ ٢٤٣)، وهو في "مسائله" (٢/ ٣٢٠). وأخرجه عبد الرزاق (١٠٠٥٧) عن معمر عن قتادة مختصرًا. وهو مرسل، قتادة لم يُدرك عمر ﵁.
(٣) في "الجامع": "خمرة" تصحيف.
وقد تأوَّلت الشيعةُ الآية على غير تأويلها، فقالوا: "المحصنات من المؤمنات" من كانت مسلمةً في الأصل، "والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم" من كانت كتابيةً ثم أسلمت.
قالوا: وحمَلَنا على هذا التأويل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا اُلْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾[البقرة: ٢١٩]، وأي شركٍ أعظم من قولها: الله ثالث ثلاثةٍ؟! وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمَسِّكُوا بِعِصَمِ اِلْكَوَافِرِ﴾[الممتحنة: ١٠].
وأجاب الجمهور بجوابين١:
أحدهما: أن المراد بالمشركات الوثنيات.
قالوا: وأهل الكتاب لا يدخلون في لفظ المشركين في كتاب الله تعالى. قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾[البينة: ١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾[الحج: ١٧].
وكذلك الكوافر المنهيّ عن التمسك بعصمتهن إنما هن٢ المشركات، فإن الآية نزلت في قصة الحديبية، ولم يكن للمسلمين زوجاتٌ من أهل الكتاب إذ ذاك، وغاية ما في ذاك التخصيص، ولا محذورَ فيه إذا دلَّ عليه دليلٌ.