أحكام أهل الذمة

أصل التحريم.

قال المبيحون: غاية هذا أنه مفهومُ شرطٍ، والمفهوم عندنا ليس بحجةٍ.

قال المحرّمون: نحن نساعدكم على أن المفهوم ليس بحجةٍ، ولكن الأصل في الفروج التحريم، ولا يباح منها إلا ما أباحه الله ورسوله، والله سبحانه إنما أباح نكاح الأمة المؤمنة، فيبقى ما عداها على أصل التحريم. على أن الإيمان لو لم يكن شرطًا في الحلّ لم يكن في ذكره فائدةٌ، بل كان زيادةً في اللفظ ونقصانًا من المعنى، وتوهُّمًا لاختصاص الحلِّ ببعض محالِّه، وكلام العقلاء فضلًا عن كلام رب الأرض والسماء يُصان عن ذلك.

يوضحه أن صفة الإيمان صفةٌ مقصودةٌ، فتعليق الحكم بها يدلُّ على أنها هي العلة في ثبوته، ولو أُلغيت الأوصاف التي عُلِّقت بها الأحكام لفسدت الشريعة، كقوله: ﴿وَاَلَّذِينَ يَرمُونَ اَلْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤]، وقوله: ﴿وَاَلْمُحْصَنَاتُ مِنَ اَلنِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤]، ونظائره أكثر من أن تحصر.

قال المبيحون: لا يمكنكم الاستدلال بالآية؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، فلم يبح نكاح الأمة إلا عند عدم الطول لنكاح الحرة المؤمنة.

وقلتم: لا يباح له نكاح الأمة إذا قَدَر على حرةٍ كتابيةٍ، فألغيتم وصف الإيمان في الأصل، فكيف تنكرون على من ألغاه في البدل؟

قال المحرمون ــ واللفظ لأبي يعلى ــ: لو خلّينا والظاهر لقلنا: إيمان

565

المحصنات شرطٌ، لكن قام دليل الإجماع على تركه، ولم يقم دليل على ترك شرطه في الفتيات.

قلت: لم تُجمِع الأمّة١ على أن إيمان المحصنات ليس شرطًا، بل أحد الوجهين للشافعية: أنه إذا قدر على نكاح حرةٍ كتابيةٍ، ولم يقدر على نكاح حرةٍ مسلمةٍ، أنه ينتقل إلى الأمة. وهذا قول قوي، وظاهر القرآن يقتضيه. وقد يقال: إن آية النساء متقدمةٌ على آية المائدة التي فيها إباحة المحصنات من أهل الكتاب، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، فحينئذ أبيح نكاح الكتابيات.

قال المحرمون: قال الله تعالى: ﴿وَاَلْمُحْصَنَاتُ مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اُلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، والإحصان هاهنا هو إحصان الحرية.

قال القاضي إسماعيل في "أحكام القرآن"٢: يقع الإحصان على العفة، ويقع على الحرية، وإنما أريد بهذا الموضع الحرية؛ لأنه لو أريد به العفة لما جاز لمسلمٍ أن يتزوج نصرانيةً ولا يهوديةً حتى يثبت عفتها، ولما جاز له أيضًا أن يتزوج ــ بهذه الآية ــ مسلمةً حتى يثبت عفتها؛ لأن اللفظ جاء في

  1. (١) في الأصل: "لم يجمع على الأمة".
  2. (٢) طُبع منه قطعة ليس فيها هذا النص. وانظر مختصره المطبوع حديثًا (٢/ ٢٥١). وانظر كلام شيخ الإسلام في معنى الإحصان في "مجموع الفتاوى" (٣٢/ ١٢١ - ١٢٣).
566

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي