قال القاضي١: حدثنا ابن أبي أُويسٍ، حدثنا ابن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن أبي الزبير قال: سألت جابرًا عن الرجل له عبد مسلم، وأمةٌ نصرانيةٌ، أينكحها إياه؟ قال: لا٢.
قال المبيحون: لم يُجمِع الناس على أن الإحصان هاهنا إحصان الحرية.
قال سفيان بن عيينة، عن مطرفٍ، عن عامر: ﴿وَاَلْمُحْصَنَاتُ مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اُلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، قال: إذا أحصنت فرجها، واغتسلت من الجنابة٣.
وصحَّ عن مجاهدٍ: ﴿وَاَلْمُحْصَنَاتُ مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اُلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، قال: هن العفائف٤.
قالوا: ولو طولبتم بموضع واحدٍ من القرآن أريد بالإحصان فيه الحرية لا يصلح لغيرها لم تجدوا إليه سبيلًا، والذي اطَّرد مجيء القرآن به في هذه اللفظة شيئان: العفة والتزويج، وأما الإسلام والحرية فلم يتعين إرادة واحدٍ منهما باللفظ.
وقولكم: إنه لو أريد به العفة لما جاز التزوُّج بالكتابية ولا بالمسلمة إلا
(١) هو القاضي إسماعيل كما تقدم.
(٢) لم أجده في المصادر الأخرى، وإسناده لا بأس به.
(٣) أسنده عبد الرزاق (١٠٠٦٦) عن ابن عيينة به.
(٤) أسنده ابن أبي شيبة (١٧٦٩٦) والطبري (٦/ ٥٧٠).
بعد ثبوت عفتها، فهذا هو الذي دلَّ عليه الكتاب والسنة في غير موضع.
ومن محاسن الشريعة تحريم نكاح البغايا، فإنه من أقبح الأمور، والناس إذا اجتهدوا في تعيير الرجل قالوا: زوجُ بَغِيٍّ، ومثل هذا فطرةٌ فطر الله عليها الخلق، فلا تأتي شريعةٌ بإباحته.
والبغيُّ خبيثةٌ، والله سبحانه حرَّم الخبائث من المناكح كما حرَّمها من المطاعم، ولم يُبِح نكاح المرأة إلا بشرط إحصانها، وقال في نكاح الزواني: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ﴾[النور: ٣]، ولم ينسخ هذه الآيةَ شيء. ويكفي في نكاح الحرة عدم اشتهار زناها، فإن الأصل عفتها، فعفتها ثابتةٌ بالأصل، فلا يشقُّ اشتراطها، فإذا اشتهر زناها حرم نكاحها، فإذا تابت فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له.
وأما ما ذكرتم عن جابرٍ ﵁ والتابعين من التحريم فقد عارضهم آخرون.
قال ابن أبي شيبة١: حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن مغيرة، عن أبي مَيْسرة قال: إماء أهل الكتاب بمنزلة حرائرهم.
(١) في "المصنف" (١٦٤٣٥). وأسنده الخلال في "أحكام أهل الذمة" (١/ ٢٨٠) من طريق الأثرم عن الإمام أحمد، والطبري في "تفسيره" (٦/ ٦٠٠) عن ابن حميد، كلاهما عن جرير به. قال الأثرم لأحمد: مغيرة عن أبي ميسرة مرسل هكذا؟ قال: "نعم هو مرسل". أي: لأن مغيرة بن مقسم الضبي لم يُدرك أبا ميسرة عمرو بن شرحبيل الهمداني، فإنه من كبار التابعين توفي سنة ٦٣.