أحكام أهل الذمة

قياس الأمة الكتابية على الحرة، وهو قياسٌ باطلٌ لما عُلِم من الفرق.

وأما قولكم: إنه يجوز للكافر نكاحها، فجاز للمسلم= فمن أبطل القياس، فإن المجوسية يجوز للمجوسي نكاحها، ولا يجوز للمسلم، والخمر والخنزير مالٌ عندهم دون المسلمين.

وأما قياسكم حلَّ النكاح على حلِّ الذبيحة فقياسٌ فاسدٌ، فإن الرقّ لا تأثير له في الذبائح، وله تأثيرٌ في النكاح.

قالوا: وأما قوله تعالى: ﴿فَاَنكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ اَلنِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، فالمراد به ما حلَّ وأُذِن فيه، وهو سبحانه لم يأذن إلا في ثلاثة أصنافٍ من النساء: الحرائر من المسلمات، والحرائر من الكتابيات، والإماء من المسلمات، فبقي الإماء الكتابيات لم يأذن فيهن، فبقين على أصل التحريم. ولمّا أذن في وطئهن بملك اليمين قلنا بإباحته.

وأما قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، ففي الآية ما يدلُّ على التحريم، وهو قوله: ﴿مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾، أي غير زناةٍ. والتزوُّج بمن لم يبح الله التزوّج بها حرامٌ باطلٌ، فيكون زنًا. على أنه عامٌّ مخصوصٌ بالإجماع، والعامُّ إذا خُصَّ فمن الناس من لا يحتجُّ به، والأكثرون على الاحتجاج به، لكنه إذا تطرق إليه التخصيص ضعف أمره. وقيل: التخصيص بالمفهوم والقياس وقول الصحابي وغير ذلك.

وأما قوله تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٌ﴾ [البقرة: ٢١٩]، فمن استدلَّ به فقد أبعد النُّجعة جدًّا، وهو إلى أن يكون حجةً عليه أقرب.

571

قالوا: وحكمة الشريعة تقتضي تحريمها، لاجتماع النقصين١ فيها، وهما نقص الدين ونقص الرق، بخلاف الحرة الكتابية والأمة المسلمة، فإن أحد النقصين جُبِر٢ بعدم الآخر.

قالوا: وقد كانت قضية المساواة في الكفاءة تقتضي كون المرأة كفؤًا للرجل كما يكون الرجل كفؤًا لها، ولكن لما كان الرجال قوَّامين على النساء، والنساء عَوانٍ عندهم، لم يشترط مكافأتهن للرجال، وجاز للرجل أن يتزوَّج من لا تكافئه لحاجته إلى ذلك. فإذا فقدت صفات الكفاءة جملةً بحيث لم يوجد منها صفةٌ واحدةٌ في دينٍ ولا حريةٍ ولا عفةٍ اقتضت محاسن الشريعة صيانته عنها بتحريمها عليه.

فهذا غاية ما يقال في هذه المسألة، والله أعلم.

فصل

قال القاضي: يكره نكاح الكتابية، فإن فعل عَزَلَ عنها. نصَّ عليه في رواية ابن هانئٍ.

قلت: هذا وهم من القاضي، وإنما الذي نصّ عليه أحمد ما رواه عنه ابنه عبد الله٣، قال: أكره أن يتزوج الرجل في دار الحرب، أو يتسرى من أجل ولده.

  1. (١) في الأصل: "النقيضين" هنا وفيما يأتي. وهو تحريف.
  2. (٢) في الأصل: "أجبر". والفعل بهذا المعنى ثلاثي.
  3. (٣) في "مسائل الإمام أحمد" بروايته (١٢٦١).
572

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي