قالوا: وحكمة الشريعة تقتضي تحريمها، لاجتماع النقصين١ فيها، وهما نقص الدين ونقص الرق، بخلاف الحرة الكتابية والأمة المسلمة، فإن أحد النقصين جُبِر٢ بعدم الآخر.
قالوا: وقد كانت قضية المساواة في الكفاءة تقتضي كون المرأة كفؤًا للرجل كما يكون الرجل كفؤًا لها، ولكن لما كان الرجال قوَّامين على النساء، والنساء عَوانٍ عندهم، لم يشترط مكافأتهن للرجال، وجاز للرجل أن يتزوَّج من لا تكافئه لحاجته إلى ذلك. فإذا فقدت صفات الكفاءة جملةً بحيث لم يوجد منها صفةٌ واحدةٌ في دينٍ ولا حريةٍ ولا عفةٍ اقتضت محاسن الشريعة صيانته عنها بتحريمها عليه.
فهذا غاية ما يقال في هذه المسألة، والله أعلم.
فصل
قال القاضي: يكره نكاح الكتابية، فإن فعل عَزَلَ عنها. نصَّ عليه في رواية ابن هانئٍ.
قلت: هذا وهم من القاضي، وإنما الذي نصّ عليه أحمد ما رواه عنه ابنه عبد الله٣، قال: أكره أن يتزوج الرجل في دار الحرب، أو يتسرى من أجل ولده.
(١) في الأصل: "النقيضين" هنا وفيما يأتي. وهو تحريف.
(٢) في الأصل: "أجبر". والفعل بهذا المعنى ثلاثي.
(٣) في "مسائل الإمام أحمد" بروايته (١٢٦١).
وقال في رواية إسحاق بن إبراهيم١: لا يتزوج ولا يتسرى الأسير في دار الحرب، وإن خاف على نفسه لا يتزوج.
وقال في رواية حنبلٍ٢: ولا يتزوج الأسير، ولا يتسرى بمسلمةٍ، إلا أن يخاف على نفسه، فإذا خاف على نفسه لا يطلب الولد.
ولم يقل أحمد: إنه إذا تزوج الكتابية في دار الإسلام يعزِل عنها. ولا وجه لذلك البتة.
فصل
ويجوز نكاح السامرة، فإنهم صنفٌ من اليهود، وإن كانوا فيهم بمنزلة أهل البدع في المسلمين، فإنهم يدينون بزعمهم بالتوراة، ويَسْبِتون مع اليهود.
وأما الصابئة فهل تجوز مناكحتهم؟ قال القاضي: ظاهر كلام أحمد يقتضي روايتين:
إحداهما: أنهم صنفٌ من اليهود، قال في رواية محمد بن موسى٣ في الصابئين: بلغني أنهم يسبتون، فهؤلاء إذا أَسْبتوا٤ يُشبِهون اليهود.