والثانية: أنهم صنفٌ من النصارى، قال في رواية حنبلٍ١: الصابئون جنسٌ من النصارى، إذا كان لهم كتابٌ أُكِل من طعامهم.
قال القاضي: فينظر في حالهم، فإن وافقوا اليهود والنصارى في أصل دينهم وخالفوهم في الفروع جازت مناكحتهم، وإن خالفوهم في أصل دينهم لم تجز مناكحتهم، وقد تقدمت المسألة مستوفاةً في أول الكتاب٢.
فصل
قال القاضي: ومن كان متمسكًا بغير التوراة والإنجيل كزبور داود وصحف شِيث وإبراهيم، هل يُقَرُّون على ذلك؟ وهل تحلُّ مناكحتهم وذبائحهم؟ على وجهين٣:
أحدهما: يُقَرُّون ويناكحون، على ظاهر كلام أحمد في رواية ابن منصورٍ٤ وقد سئل عن نكاح المجوس، فقال: لا يعجبني إلا من أهل الكتاب. فأطلق القول في أهل الكتاب، ولم يخص أهل الكتابين.
وقال في رواية حنبلٍ٥: قال تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا اُلْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾[البقرة: ٢١٩]، مشركات العرب الذين يعبدون الأصنام. ففسَّر الآية
(١) "الجامع" (٢/ ٤٣٨).
(٢) انظر: (ص ١٢٩ وما بعدها).
(٣) انظر: "المغني" (٩/ ٥٤٧).
(٤) "الجامع" (١/ ٢٤٤).
(٥) المصدر نفسه (١/ ٢٤٥).
على عبدة الأصنام. وظاهر هذا أن ما عدا عبدة الأوثان غير منهيّ عن نكاحهن.
والوجه الثاني: لا تجوز مناكحتهم ولا يُقَرُّون. وهو قول أصحاب الشافعي.
وجه الأول قوله: ﴿وَاَلْمُحْصَنَاتُ مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اُلْكِتَابَ﴾، وهذا عامٌّ في كل كتابٍ، ولأنه متمسكٌ بكتابٍ من كتب الله أشبهَ أهلَ التوراة والإنجيل.
ووجه الثاني تعليلان:
أحدهما: أن الكتاب ما كان منزلًا كالتوراة والإنجيل والقرآن، فأما ما لم يكن كذلك فليس بكتابٍ، بل يكون وحيًا وإلهامًا، كما قال النبي ﷺ: "أتاني آتٍ من ربي، فقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرةٌ في حجةٍ"١، وقال: "وأمرني أن آمر أصحابي بالتلبية"٢، ولم يكن ذلك قرآنًا، وإنما كان وحيًا. ولأن هذه الكتب وإن كانت منزلة ولكنها اشتملت على مواعظ، ولم تشتمل على أحكامٍ، وهي الأمر والنهي، فضعفت في بابها.
قلت: ليس في الدنيا من يتمسَّك بهذه الكتب ويكفُر بالتوراة والإنجيل البتةَ، فهذا القسم مقدَّرٌ لا وجود له، بل كل من صدَّق بهذه الكتب وتمسَّك بها فهو مصدِّقٌ بالكتابين أو أحدهما، ولهذا لم يخاطبهم الله سبحانه في
(١) أخرجه البخاري (١٥٣٤، ٢٣٣٧) من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
(٢) أخرجه أحمد (١٦٥٦٧) وأبو داود (١٨١٤) والترمذي (٨٢٩) وغيرهم من حديث السائب بن خلّاد، وإسناده صحيح.