قيل: نعم، له منعها. هذا الذي لا يحتمل المذهب غيره، فإن أحمد يحدّ عليه، فكيف تُقَرُّ على شربها؟ والإنكار بالحدّ من أقوى مراتب الإنكار.
وقال القاضي: إن كانا حنبليين أو شافعيين له منعها منه، لأنهما يعتقدان تحريمه، وإن كانا حنفيين فهذا لا يمنعه الاستمتاع، ولكن يمنعه كماله، فيخرَّج على الروايتين. والصحيح الأول.
قال: وهل له منعها من الثوم والبصل والكُرَّاث؟ يخرج على الروايتين١. وكذلك هل له منعها من الثياب الوسخة؟ على الروايتين.
فصل
وقال أحمد في رواية مهنا٢ وقد سأله: هل يمنعها أن تُدخِل منزلَه الصليب؟ قال: يأمرها، فأما أن يمنعها فلا.
وقال في رواية محمد بن يحيى الكحال٣: في الرجل تكون له امرأةٌ أو أمةٌ نصرانيةٌ تقول: اشترِ لي زُنَّارًا٤، فلا يشتري لها، تخرج هي تشتري. فقيل له: جاريته تعمل الزنانير؟ قال: لا.
قال القاضي: أما قوله: لا يشتري هو الزنَّار لأنه يراد لإظهار شعائر
(١) "المغني" (١٠/ ٢٢٣).
(٢) "الجامع" (٢/ ٤٣٠).
(٣) المصدر نفسه (٢/ ٤٣١)، و"المغني" (١٠/ ٢٢٤).
(٤) الزنّار: حزام يشدُّه النصراني في وسطه.
الكفر، فلذلك منعه من شرائه وأن يُمكِّن جاريته من عمله؛ لأن العوض الذي يحصل لها صائرٌ إليه ومِلكٌ له، وقد منع من بيع ثياب الحرير من الرجال إذا علم [أنهم] يلبسونها، وكذلك بيع العصير لمن يتخذه خمرًا. انتهى.
وليس له منعها من صيامها الذي تعتقد وجوبه، وإن فوَّت عليه الاستمتاع في وقته، ولا من صلاتها في بيته إلى الشرق، وقد مكَّن النبي ﷺ وفد نصارى نجران من صلاتهم في مسجده إلى قبلتهم١. وليس له إلزام اليهودية إذا حاضت بمضاجعته، والاستمتاع بما دون الفرج. هذا قياس المذهب.
وليس له حملها على كسر السبت ونحوه مما هو واجبٌ في دينهم، وقد أقررناهم عليه. وليس له حملها على أكل الشحوم واللحوم المحرمة عليهم، وهل له منعها من أكل لحم الخنزير؟ يحتمل وجهين.
وهل له منعها من الخلوة بابنها وأبيها وأخيها؟ فإن كانت مجوسيةً فله ذلك، لأنهم يعتقدون حلَّها لهم، فليسوا بذوي مَحْرمٍ، وإن كانت يهوديةً أو نصرانيةً فليس له منعها من ذلك إذا كانوا مأمونين عليها، وإن كان له منعها من السفر معهم كما تقدم نصه، وذكرنا الفرق بين الموضعين.
وليس له منعها من قراءة كتابها إذا لم ترفع صوتها به.
فإن أرادت أن تصوم معه رمضان فهل له منعها من ذلك؟ يحتمل
(١) أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (٥/ ٣٨٢) عن ابن إسحاق.