وقال عمر في عمَّة الأشعث بن قَيسٍ لمَّا ماتت: يرِثها أهلُ دينها١.
ويتوارثون وإن اختلفت ديارهم، فيرث الحربي المستأمَن والذمِّي ويرثانه.
قال أحمد في رواية الأثرم٢ فيمن دخل إلينا بأمانٍ فقُتِل: إنه يُبعث بديته إلى مَلِكهم حتى يدفعها إلى ورثته.
وفي «المسند»٣ وغيره أن عمرو بن أُمَيَّة الضَّمْري كان مع أهل بئر مَعُونة، فلما قتلوا أسلم هو ورجع إلى المدينة، فوجد رجلين في طريقه من الحي الذين قتلوهم، وكان معهما عهدٌ من النبي ﷺ وأمان، فلم يعلم به عمرٌو فقتلهما، فوَدَاهما النبي ﷺ. ولا ريب أنه بعث بديتهما إلى أهلهما.
وهذا اختيار الشيخين أبي محمد وأبي البركات٤.
واحتج من نصر هذا القول بالعمومات المقتضية لتوريث الملة الواحدة
(١) أخرجه عبد الرزاق (٩٨٥٨) وسعيد بن منصور (١٤٤) وابن أبي شيبة (٣٢٠٨٩ - ٣٢٠٩٢) والدارمي (٣٠٣٢، ٣٠٣٩) وابن المنذر في «الأوسط» (٧/ ٤٦٣) من طرق عنه ﵁.
(٢) كما في «المغني» (٩/ ١٥٨).
(٣) ليس فيه، ولعل منشأ الوهم أنه ذكره في «المغني» بعد قول أحمد المتقدم بلفظ: «وقد رُوي أن عمرو بن أمية ...» إلخ، فلو قرئ: «وقد رَوَى» لعاد الضمير إلى أحمد، ولغلب على الظنِّ حيئنذ أن يكون الحديث في «مسنده». وإنما أخرجه ابن هشام في «السيرة» (٢/ ١٨٦) والطبراني في «الكبير» (٢٠/ ٣٥٦) والبيهقي في «دلائل النبوة» (٣/ ٣٣٨ - ٣٤١) عن ابن إسحاق مرسلًا.
(٤) انظر: «المغني» (٩/ ١٥٨) و«المحرَّر» (١/ ٤١٣).
بعضِهم من بعضٍ من غير تخصيصٍ.
قالوا: ومفهوم قوله: «لا يتوارث أهل ملتين» يقتضي توارث أهل الملة وإن اختلفت ديارهم، ولأن مقتضى التوريث قائمٌ وهو القرابة، فيَعمل عمَلَه ما لم يمنع منه مانع.
وقال القاضي وأصحابه: لا يرث حربيٌّ ذميًّا، ولا ذمي حربيًّا، لأن الموالاة بينهما منقطعةٌ وهي سبب التوارث، فأما المستأمَن فيرثه أهل الحرب وأهل الذمة١.
وقال أبو حنيفة: المستأمَن لا يرثه٢ الذمي لاختلاف دارهما، ويرث أهل الحرب بعضهم بعضًا سواءٌ اتفقت ديارهم أو اختلفت. وهذا مذهب الشافعي.
وقال أبو حنيفة: إذا اختلفت ديارهم بحيث كان لكل طائفة مَلِكٌ، ويرى بعضهم قتل بعضٍ، لم يتوارثا٣ لأنهم لا موالاة بينهم.
فجعلوا اتفاق الدار واختلافها ضابطَ التوارث وعدمه. وهذا أصلٌ لهم في اختلاف الدار انفردوا به. قال في «المغني»٤: ولا نعلم لهذا حجةً من كتابٍ ولا سنةٍ مع مخالفته لعموم السنن المقتضي للتوريث. ولم يعتبروا
(١) انظر: «المغني» (٩/ ١٥٨) و«الإنصاف» (١٨/ ٢٧٦).
(٢) في متن الأصل: «يرث»، والمثبت من نسخة مشار إليها في هامش الأصل، وهو الموافق لمصدر المؤلف.
(٣) في المطبوع: «يتوارثوا» خلافًا للأصل ولمصدر المؤلف.