صريحٌ١ في المسألة، وأظنه جمع الحديثين في سياقٍ واحدٍ، والله أعلم.
قال الذين جعلوا الكفر ملةً واحدةً: قال الله ﷿: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ اَلْيَهُودُ وَلَا اَلنَّصَارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾[البقرة: ١١٩]، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا اَلْكَافِرُونَ ١ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ٢ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ٣ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ٤ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ٥ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِي دِينِ ٦﴾[سورة الكافرون]، فجعل لهم دينًا واحدًا، كما جعل لليهود والنصارى ملةً واحدةً.
وقال النبي ﷺ: «الناس حَيِّزٌ، وأنا وأصحابي حَيِّزٌ»٢، والله تعالى قسم خلْقه إلى كفارٍ ومؤمنين، فهؤلاء سعداء وهؤلاء أشقياء، والكفر وإن اختلفت شُعَبُه فيجمعه خصلتان: تكذيب الرسول في خبره، وعدم الانقياد لأمره. كما أن الإيمان يرجع إلى أصلين: طاعة الرسول فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر.
(١) في المطبوع: «وصريح»، خلاف الأصل.
(٢) أخرجه الطيالسي (٦٠٢، ١٠١٠، ٢٣١٩) وأحمد (١١١٦٧، ٢١٦٢٩) والطبراني في «الكبير» (٤/ ٢٨٦، ٥/ ١١٥) والحاكم (٢/ ٢٥٧) وغيرهم من حديث أبي البختري الطائي عن أبي سعيد الخدري ﵁. وهومرسل، فأبو البختري لم يدرك أبا سعيد، كما نصَّ عليه أبو حاتم في «المراسيل» (٢٧١). و«حيِّز» أي: في ناحية.
قال الآخرون: اشتراكهم في الكفر العام لا يوجب تساويهم في ملله، فإنهم كلهم يشتركون في الجحيم على اختلاف مراتبهم في الكفر. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾[البقرة: ١١٩] لا يدل على أن ملة اليهود هي ملة النصارى، بل إضافة الملة إلى جميعهم لا يقتضي اشتراكهم في عين الملة. وكذلك قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِي دِينِ﴾[الكافرون: ٦] لا يقتضي اشتراكهم في دين واحد بحيث يدين هؤلاء بعين١ ما يدين به هؤلاء، بل المعنى: لكلٍّ منكم دينُه وملَّته.
والله سبحانه يذكر الحق والهدى والإسلام ويجعله واحدًا، ويذكر الباطل والضلال والكفر ويجعله متعدِّدًا، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاَتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا اُلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾[الأنعام: ١٥٤].