يعلمونه وكتابٌ يدرسونه، وإنَّ ملكهم سَكِرَ فوقع على ابنته أو أخته فاطلع عليه بعض أهل مملكته، فلما صحا جاؤوا يقيمون عليه الحدَّ، فامتنع منهم ودعا أهل مملكته وقال: تعلمون دينًا خيرًا من دين آدم وقد أنكح بنيه بناتِه؟ فأنا على دين آدم! قال: فتابعه قومٌ وقاتلوا الذين يخالفونه حتى قتلهم، فأصبحوا وقد أُسرِيَ بكتابهم ورُفع العلم الذي في صدورهم؛ فهم أهل كتابٍ، وقد أخذ رسول الله ﷺ وأبو بكر ــ وأُراه قال: وعمر ــ منهم الجزية".
فهذا حديث رواه الشافعي في "مسنده" وسعيد بن منصورٍ وغيرهما١، ولكنَّ جماعةً من الحفَّاظ ضعَّفوا الحديث٢. قال أبو عبيد٣: لا أحسب ما رووه عن علي في هذا محفوظًا.
وقد روى البخاري في "صحيحه"٤ عن المغيرة بن شعبة أنه قال لعاملِ
(١) "مسند الشافعي" بترتيب سنجر (١٧٧٥) وبترتيب السندي (٤٣٢)، وهو في "الأم" (٥/ ٤٠٦ - ٤٠٧)، ومن طريق الشافعي أخرجه ابن زنجويه في "الأموال" (١٤٠) والبيهقي في "السنن الكبير" (٩/ ١٨٨) و"المعرفة" (١٣/ ٣٦٦ - ٣٦٧). ولم أجده عند سعيد بن منصور في المطبوع من "سننه". وأخرجه أيضًا عبد الرزاق (١٠٠٢٩) وابن أبي عمر في "مسنده" (المطالب العالية: ٢٠٦٣) وأبو يعلى (٣٠١). وفي إسناده أبو سعد البقَّال، وهو ضعيف منكر الحديث. وله طريق آخر عند القاضي أبي يوسف في "الخراج" (٢٩٠ - تحقيق البنَّا) بنحوه، وفي إسناده انقطاع.
(٢) قال ابن عبد البر في "التمهيد" (٢/ ١٢٠): أكثر أهل العلم لا يصححون هذا الأثر. وانظر: "الجامع" للخلال (٢/ ٤٦٨)، و"مجموع الفتاوى" (٣٢/ ١٨٩).
(٣) في كتاب "الأموال" (ص ٨٣) ط. دار الفضيلة. ونقله في "المغني" (١٣/ ٢٠٥).
(٤) برقم (٣١٥٩).
كسرى: أمرَنا نبيُّنا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحدَه أو تُؤَدُّوا الجزية.
وفي "مسند الإمام أحمد" والترمذي١ عن ابن عباس قال: مرِض أبو طالب فجاءته قريشٌ وجاءه النبي ﷺ، وشَكَوه إلى أبي طالب، فقال: يا ابنَ أخي، ما تريد من قومك؟ قال: "أريد منهم كلمةً تَدِينُ لهم بها العربُ، وتُؤدِّي إليهم بها العجمُ الجزيةَ". قال: كلمةً واحدةً؟ قال: "كلمةً واحدةً، قولوا٢: لا إله إلا الله". قالوا: جعل الآلهة إلهًا واحدًا، إن هذا لشيء عجابٌ، ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة، إن هذا إلا اختلاقٌ. قال: فنزل فيهم: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ إلى قوله: ﴿اَخْتِلَاقٌ﴾[ص: ١ - ٦].
وفي "الصحيحين"٣ من حديث عمرو بن عوفٍ الأنصاري: أن رسول الله ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجرَّاح إلى البحرين يأتي بجِزْيتها، وكان رسول الله ﷺ هو صالح أهل البحرين٤، وأمَّرَ عليهم العلاء بن الحضرمي.
(١) "مسند أحمد" (٢٠٠٨، ٣٤١٩) و"جامع الترمذي" (٣٢٣٢)، وأخرجه أيضًا النسائي في "الكبرى" (٨٧١٦) وأبو يعلى (٢٥٨٣) وابن حبان (٦٦٨٦) والحاكم (٢/ ٤٣٢) والضياء في "المختارة" (١٠/ ٣٩٠)، كلهم من طريق الأعمش عن يحيى بن عُمارة ــ وقيل: ابن عبَّاد، وقيل: عبَّاد بن جعفر ــ عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. ويحيى هذا فيه جهالة، ولم يوثقه غير ابن حبان. على أن الترمذي صحَّح حديثه فقال: هذا حديث حسن صحيح، وصححه ابن حبان والحاكم واختاره الضياء.