وأجاب آخرون بالجواب المركَّب وهو: إن لم يكن بين الصورتين فرقٌ في مسألة العبد والزوجة والكافر، فالصواب التسوية، وإن كان بينهما فرقٌ بطل الإلزام، والله أعلم.
فصل
وأمَّا توريث المسلم من الكافر فاختلف فيه السلف، فذهب كثيرٌ منهم إلى أنه لا يرث كما لا يرث الكافر المسلم، وهذا هو المعروف عند الأئمة الأربعة وأتباعهم.
وقالت طائفةٌ منهم: بل يرث المسلم الكافر، دون العكس. وهذا قول معاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان، ومحمد ابن الحنفية، ومحمد بن علي بن الحسين، وسعيد بن المسيب، ومسروق بن الأجدع، وعبد الله بن مغفل، ويحيى بن يَعمَر١، وإسحاق بن راهويه٢. وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية٣. قالوا: نرثهم ولا يرثونا٤، كما ننكح نساءهم، ولا
(١) في الأصل: «معمر»، والتصحيح من نسخة أخرى أشير إليها بهامشه. وينظر لآثار هؤلاء: سنن سعيد بن منصور (١٤٥ - ١٤٧) ومصنف ابن أبي شيبة (٣٢١٠١، ٣٢١٠٢) والأوسط لابن المنذر (٧/ ٤٦٤) والتمهيد (٩/ ١٦٣) والاستذكار (١٥/ ٤٩١).
والذين منعوا الميراث عمدتهم الحديث المتفق عليه: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم»١، وهو عمدةُ مَن منع ميراث المنافق الزنديق، وميراث المرتد.
قال شيخنا٢: وقد ثبت بالسنة المتواترة أنَّ النبي ﷺ كان يُجري الزنادقة المنافقين في الأحكام الظاهرة مجرى المسلمين فيرثون ويُورَثون. وقد مات عبد الله بن أُبَيٍّ وغيره ممن شهد القرآن بنفاقه، ونُهي الرسول ﷺ عن الصلاة عليه والاستغفار له، ووَرِثَهم ورثتُهم المؤمنون؛ كما ورث عبدَ الله بن أبيٍّ ابنُه. ولم يأخذ النبي ﷺ من تركة أحدٍ من المنافقين شيئًا، ولا جعل شيئًا من ذلك فيئًا، بل أعطاه لورثتهم. وهذا أمرٌ معلومٌ بيقينٍ، فعلم أنَّ الميراث مداره على النصرة الظاهرة لا على إيمان القلوب والموالاة الباطنة، والمنافقون في الظاهر ينصرون المسلمين على أعدائهم، وإن كانوا من وجهٍ آخر يفعلون خلاف ذلك، فالميراث مبناه على الأمور الظاهرة لا على ما في القلوب.
وأما المرتد فالمعروف عن الصحابة مثل عليٍّ وابن مسعودٍ: أن ماله لورثته من المسلمين أيضًا، ولم يدخلوه في قوله ﷺ: «لا يرث المسلم
(١) قد تقدم (ص ٣).
(٢) قال ابن عبد الهادي في «العقود الدرية» (ص ٣٣٩): «وكان يميل أخيرًا لتوريث المسلم من الكافر الذمي، وله في ذلك مصنف وبحث طويل». فلعل هذا النص منه، وانظر: «مجموع الفتاوى» (٧/ ٢١٠).