أحكام أهل الذمة

لخديجة، وغير ذلك مما لم يكن لأبي طالب، فاستولى على رباع بني هاشم بغير طريق الإرث، بل كما استولى سائر المشركين على ديار المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، كما استولى أبو سفيان بن حرب على دار أبي أحمد بن جحش١ وكانت دارًا عظيمةً. فكان المشركون ــ لمَّا هاجر المسلمون ــ مَن كان له قريبٌ أو حليفٌ استولى على ماله، ثم لمَّا أسلموا عامَ الفتح أقرَّهم النبي ﷺ على ما أسلموا عليه٢، وقال: «مَن أسلم على شيء فهو له»٣، ولم يرُدَّ إلى المهاجرين دُورَهم التي أُخِذت منهم، بل قال: «هذه أخذت في الله، أجورهم فيها على الله»٤. وقال لابن جحشٍ: «ألا ترضى أن يكون لك٥ مثلها في الجنة؟»٦.

وكان المسلمون ينتظرون ما يأمر به في دار ابن جحش، فإن ردَّها عليه طلبوا هم أن يرُدَّ عليهم، فأرسل إليه مع عثمان٧ هذه الرسالة، فسكت

  1. (١) انظر: «طبقات ابن سعد» (٤/ ٩٦) و«سيرة ابن هشام» (١/ ٤٩٩) و«الآحاد والمثاني» (٦١٠) و«أخبار مكة» للأزرقي (٢/ ٢٤٤) والفاكهي (٢١٢٠).
  2. (٢) «عامَ الفتح أقرَّهم النبي ﷺ على ما أسلموا عليه» سقط من المطبوع.
  3. (٣) صحَّ ذلك مرسلًا، وقد سبق تخريجه (ص ٢٠).
  4. (٤) لم أجده.
  5. (٥) في الأصل: «لها»، ولعله تصحيف عما أثبت.
  6. (٦) ذكره ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٤٩٩) ــ مرسلًا بنحوه .. وذكر ابن سعد في «الطبقات» (٤/ ٩٦) نحوَه بإسناد شيخه الواقدي عن بعض آل أبي أحمد بن جحش.
  7. (٧) في هامش الأصل: «عمار» من نسخة أخرى، والمثبت من المتن موافق لما عند ابن سعد.
34

وسكت المسلمون. وهذا كان عام الفتح، فلما دخل مكة في حجة الوداع قيل له: ألا تنزل في دارك؟ فقال: «وهل ترك لنا عقيل من دارٍ؟!».

قال الشيخ١: وهذا الحديث قد استدل به طوائف على مسائل:

فالشافعي احتج به على جواز بيع رباع مكة، وليس في الحديث أنه باعها. قلت: الشافعي إنما احتج بإضافة الدار إليه بقوله «في دارك» وأردفه بقوله تعالى: ﴿وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥]. والمنازعون له يقولون: الإضافة قد تصح بأدنى ملابسةٍ، فهي إضافة اختصاصٍ لا إضافة ملكٍ، لأن الله سبحانه جعل الناس في الحرم سواءً العاكفُ فيه والباد.

المسألة الثانية: المنع من توريث المسلم من الكافر، فإنه قد روي أنه قاله عقيب هذا القول٢، وكان قد استولى على بعضها بطريق الإرث من أبي طالب، وعلى بعضها بطريق القهر والغلبة. والظاهر أنه استولى على نفس ملك النبي ﷺ وداره التي هي له، فإنه قيل له: ألا تنزل في دارك؟ فقال: «وهل ترك لنا عقيل من دارٍ؟» يقول: هو أخذ داري ودار غيري من بني هاشم. وكان عقيل لم يُسلم بعد، بل كان على دين قومه، وكان حمزة وعبيدة بن الحارث وعلي وغيرهم قد هاجروا إلى المدينة مع النبي ﷺ، وجعفر هاجر إلى الحبشة، فاستولى عقيل على رباع النبي ﷺ وعلى رباع آل أبي طالب.

  1. (١) أي شيخ الإسلام.
  2. (٢) كما عند أحمد (٢١٧٥٢) والبخاري (٤٢٨٢، ٤٨٨٣).
35

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي