وذكر أبو عبيد في "كتاب الأموال"١ عن الزهري قال: قَبِل رسول الله ﷺ الجزية من أهل البحرين وكانوا مجوسًا.
وفي "سنن أبي داود"٢ من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى أُكَيدِرِ دُومةَ فأخذوه فأتوا به، فحقَنَ له دمه، وصالحه على الجزية.
وقال الزهري: أول ما أُخِذت الجزية من أهل نجران وكانوا نصارى٣.
وفي "صحيح البخاري"٤ عن ابن أبي نَجيحٍ٥ قال: قلت لمجاهدٍ: ما
(١) (ص ٤١)، وبنحوه في (ص ٢٠٣).
(٢) برقم (٣٠٣٧) من طريق محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر، عن أنس، وعن عثمان بن أبي سليمان. وإسناده جيِّد، إلا أنه على طريقة ابن إسحاق في جمع متون الروايات المسندة والمرسلة في سياق واحد. والظاهر من "العلل" لابن أبي حاتم (٩٦٧) أن ذكر الجزية ليس مسندًا من طريق أنس. وقد ذكرها ابن إسحاق في "مغازيه" ــ ومن طريقه البيهقي في "دلائل النبوة" (٥/ ٢٥٠ - ٢٥١) ــ عن يزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ــ وهما من ثقات التابعين العالمين بالمغازي ــ مرسلًا في سياق قصة أُكيدر وأَسره ومصالحته. وانظر: "البدر المنير" (٩/ ١٨٥).
(٣) أخرجه أبو عبيد في "الأموال" (٦٩، ٨٧) والبلاذري في "فتوح البلدان" (١/ ٨١).
(٤) كتاب الجزية، باب الجزية والموادعة مع أهل الحرب، تعليقًا عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح به. ووصله عبد الرزاق (١٠٠٩٤) عن ابن عيينة به.
(٥) في المطبوع: "أبي نجيح" خطأ.
شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير وأهل اليمن عليهم دينارٌ؟ قال: جعل ذلك من قِبَلِ اليسار.
فاختلف الفقهاء فيمن تُؤخذ منهم الجزية، بعد اتفاقهم على أخذها من أهل الكتاب ومن المجوس.
فقال أبو حنيفة: تُؤخذ من أهل الكتاب والمجوس وعَبَدة الأوثان من العجم، ولا تُؤخذ من عَبَدة الأوثان من العرب١. ونصَّ على ذلك أحمد في رواية عنه٢.
واحتج أرباب هذا القول على ذلك بحججٍ، منها: قوله في الحديث المتقدم: "وتُؤدِّي إليكم بها العجمُ الجزيةَ"، واحتجوا بحديث بُريدة الذي رواه مسلم في "صحيحه"٣ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميرًا على جيشٍ أو سريةٍ أوصاه في خاصَّته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: "اغْزُوا باسم الله في سبيل الله، قاتِلوا من كفرَ بالله، اغْزُوا ولا تَغُلُّوا، ولا تَغْدِروا، ولا تَمثُلوا، ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيتَ عدوَّك من المشركين فادْعُهم إلى ثلاث خصالٍ ــ أو خلالٍ ــ، فأيتهنَّ ما أجابوك إليها فاقبَلْ منهم وكُفَّ عنهم، ثم ادْعُهم
(١) انظر: "حاشية ابن عابدين" (٤/ ١٩٨).
(٢) كما في "المغني" (١٣/ ٣١). وانظر "مجموع الفتاوى" (٣١/ ٣٨١).