قال المانعون: الكفر يمنع التوارث، فلم يرث به المعتق، كالقتل.
قال المورثون: القاتل يُحرَم الميراث لأجل التُّهمة، ومعاقبةً له بنقيض قصده. وهاهنا علة الميراث الإنعام، واختلاف الدين لا يكون مُزيلًا له١.
وهذه المسائل الثلاث من محاسن الشريعة، وهي: توريث من أسلم على ميراث قبل قسمته، وتوريث المعتق عبدَه الكافر بالولاء، وتوريث المسلم قريبه الذمي، وهي مسألة نزاع بين الصحابة والتابعين.
وأما المسألتان الأُخرَيان٢ فلم يُعلَم عن الصحابة فيهما نزاعٌ، بل المنقول عنهم التوريث.
قال شيخنا: والتوريث في هذه المسائل على وفق أصول الشرع، فإنَّ المسلمين لهم إنعامٌ وحقٌّ على أهل الذمة بحقن دمائهم، والقتال عنهم، وحفظ دمائهم وأموالهم، وفداء أسراهم، فالمسلمون ينفعونهم٣ وينصرونهم ويدفعون عنهم، فهم أولى بميراثهم من الكفار.
والذين منعوا الميراث قالوا: مبناه على الموالاة، وهي منقطعةٌ بين المسلم والكافر. فأجابهم الآخرون بأنه ليس مبناه على الموالاة الباطنة التي توجب الثواب في الآخرة، فإنه٤ ثابتٌ بين المسلمين وبين أعظم أعدائهم،
(١) «مُزيلا له» تصحَّف في أصلِ صبحي الصالح إلى: «من بلاله»، فأصلحه إلى: «من علله».
(٢) نقط في الأصل بالتاء: «الاخرتان». وفي المطبوع: «الأخيرتان»، خطأ.
(٣) كذا في الأصل. وفي المطبوع: «يمنعونهم»
(٤) أي: الميراث.
وهم المنافقون الذين قال الله فيهم: ﴿هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ﴾[المنافقون: ٤]. فولاية القلوب ليست هي المشروطة في الميراث، وإنَّما هو بالتناصر، والمسلمون ينصرون أهل الذمة فيرثونهم، ولا ينصرهم أهل الذمة فلا يرثونهم، والله أعلم.
فصل
الكفار إمَّا أهل حرب وإمَّا أهل عهد، وأهل العهد ثلاثة أصنافٍ: أهل ذمة، وأهل هُدْنَة، وأهل أمان.
وقد عقد الفقهاء لكل صنفٍ بابًا، فقالوا: باب الهدنة، باب الأمان، باب عقد الذمة.
ولفظ الذمة والعهد يتناول هؤلاء كلَّهم في الأصل، وكذلك لفظ الصلح، فإن الذِّمَّة من جنس لفظ العهد والعقد. وقولهم: هذا في ذمة فلان، أصله من هذا: أي في عهده وعقده، أي: فأُلزِمَه بالعقد والميثاق. ثم صار يستعمل في كل ما يمكن أخذ الحق من جهته، سواءٌ وجب بعقده أو بغير عقده، كبدل المتلف فإنه يقال: هو في ذمته. وسواءٌ وجب بفعله، أو بفعل وليه أو وكيله، كولي الصبي والمجنون، وولي بيت المال والوقف، فإن بيت المال والوقف يثبت له حقٌّ وعليه حقٌّ، كما يثبت للصبي والمجنون، ويطالب ولِيُّه الذي له أن يَقبض له ويُقبض ما عليه.
وهكذا لفظ الصلح عام في كل صلح، وهو يتناول صلح المسلمين بعضهم مع بعض، وصلحهم مع الكفار. لكن صار في اصطلاح كثير من الفقهاء أهلُ الذمة عبارةً عمن يؤدي الجزية، وهؤلاء لهم ذمةٌ مؤبَّدةٌ، وهؤلاء قد عاهدوا المسلمين على أن يجري عليهم حكم الله ورسوله، إذ هم مقيمون