شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير وأهل اليمن عليهم دينارٌ؟ قال: جعل ذلك من قِبَلِ اليسار.
فاختلف الفقهاء فيمن تُؤخذ منهم الجزية، بعد اتفاقهم على أخذها من أهل الكتاب ومن المجوس.
فقال أبو حنيفة: تُؤخذ من أهل الكتاب والمجوس وعَبَدة الأوثان من العجم، ولا تُؤخذ من عَبَدة الأوثان من العرب١. ونصَّ على ذلك أحمد في رواية عنه٢.
واحتج أرباب هذا القول على ذلك بحججٍ، منها: قوله في الحديث المتقدم: "وتُؤدِّي إليكم بها العجمُ الجزيةَ"، واحتجوا بحديث بُريدة الذي رواه مسلم في "صحيحه"٣ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميرًا على جيشٍ أو سريةٍ أوصاه في خاصَّته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: "اغْزُوا باسم الله في سبيل الله، قاتِلوا من كفرَ بالله، اغْزُوا ولا تَغُلُّوا، ولا تَغْدِروا، ولا تَمثُلوا، ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيتَ عدوَّك من المشركين فادْعُهم إلى ثلاث خصالٍ ــ أو خلالٍ ــ، فأيتهنَّ ما أجابوك إليها فاقبَلْ منهم وكُفَّ عنهم، ثم ادْعُهم
(١) انظر: "حاشية ابن عابدين" (٤/ ١٩٨).
(٢) كما في "المغني" (١٣/ ٣١). وانظر "مجموع الفتاوى" (٣١/ ٣٨١).
(٣) برقم (١٧٣١).
إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبلْ منهم وكُفَّ عنهم، ثم ادعُهم إلى التحوُّل من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبِرْهم أنهم إن فعلوا ذلك١ فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أَبَوا أن يتحوَّلوا منها، فأخبِرْهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يَجري عليهم حكمُ الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أَبَوا فسَلْهم الجزيةَ، فإن هم أجابوك فاقبلْ منهم وكُفَّ عنهم، فإن هم أَبَوا فاستعِنْ بالله وقاتِلْهم. وإذا حاصرتَ أهلَ حصنٍ فأرادوك أن تجعل لهم ذمَّةَ الله وذمَّةَ نبيِّه فلا تجعلْ لهم ذمَّةَ الله ولا ذمَّة نبيِّه، ولكن اجعلْ لهم ذمتَك وذمةَ أصحابك، فإنكم أن تُخْفِروا ذِمَمَكم وذِمَمَ أصحابكم أهونُ من أن تُخْفِروا ذمةَ الله وذمةَ رسوله. وإذا حاصرتَ أهلَ حصنٍ فأرادوك أن تُنزِلهم على حكم الله فلا تُنزِلهم على حكم الله، ولكن أَنزِلْهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيبُ حكم الله فيهم أم لا؟ ".
وفي هذا الحديث أنواعٌ من الفقه:
منها: وصية الإمام لِنوَّابه وأمرائه ووُلاتِه بتقوى الله، والإحسان إلى الرعية، فبهذين الأصلين يُحفظ على الأمير منصِبُه، وتَقَرُّ عينُه به، ويأمن فيه من النكَبات والغِيَر. ومتى ترك هذين الأمرين أو أحدهما فلا بدَّ أن يسلبه الله عزَّه، ويجعله عبرةً للناس، فما أُزِيلت٢ النِّعم إلا بترك تقوى الله والإساءة إلى الناس.