في الدار التي يجري فيها حكم الله ورسوله، بخلاف أهل الهُدنة فإنهم صالحوا المسلمين على أن يكونوا في دارهم، سواءٌ كان الصلح على مال أو غير مال، لا تجري عليهم أحكام الإسلام كما تجري على أهل الذمة، لكن عليهم الكفُّ عن محاربة المسلمين، وهؤلاء يسمَّون أهل العهد، وأهل الصلح، وأهل الهدنة.
وأمَّا المستأمَن فهو الذي يَقْدَم بلاد المسلمين من غير استيطان لها، وهؤلاء أربعة أقسام: رسلٌ، وتجارٌ، ومستجيرون حتى يعرض عليهم الإسلام والقرآن ــ فإن شاؤوا دخلوا فيه وإن شاؤوا رجعوا إلى بلادهم ــ، وطالبُ حاجةٍ مِن زيارةٍ أو غيرها.
وحكم هؤلاء: أن لا يُهاجوا١، ولا يُقتَلوا، ولا تؤخذ منهم الجزية، وأن يُعرَض على المستجير منهم الإسلام والقرآن، فإن دخل فيه فذاك، وإن أحب اللحاق بمأمنه أُلحِق به، ولم يُعرَّض له قبل وصوله إليه، فإذا وصل مأمنه عاد حربيًّا كما كان.
فصل
إذا عُرف هذا، فهل يجوز لولي الأمر أن يعقد الهُدنة مع الكفار عقدًا مطلقًا لا يقدره بمدةٍ، بل يقول: نكون على العهد ما شئنا، ومن٢ أراد فسخ العقد فله ذلك إذا أعلم الآخر، ولم يغدر به؛ أو يقول: نعاهدكم ما شئنا، ونقركم ما شئنا؟
(١) في هامش الأصل: «يُهاجروا»، وكذا أُثبت في المطبوع، وهو خطأ.
(٢) في هامش الأصل: «ومتى».
فهذا فيه للعلماء قولان في مذهب أحمد وغيره:
أحدهما: لا يجوز، قاله الشافعي في موضع١، ووافقه طائفةٌ من أصحاب أحمد كالقاضي في «المجرد» والشيخ في «المغني»٢، ولم يذكروا غيره.
والثاني: يجوز ذلك، وهو الذي نصَّ عليه الشافعي في «المختصر»٣، وقد ذكر الوجهين في مذهب أحمد طائفةٌ آخرهم ابنُ حمدان٤.
والمذكور عن أبي حنيفة أنها لا تكون لازمةً بل جائزةً، فإنه جوَّز للإمام فَسْخها متى شاء. وهذا القول في الطرف المقابل٥ لقول الشافعي الأول.
والقول الثالث: وسطٌ بين هذين القولين.
وأجاب الشافعي عن قول النبي ﷺ لأهل خيبر: «نُقِرُّكم ما أقرَّكم الله»٦ بأنَّ المراد: نُقِرُّكم ما أذن الله في إقراركم بحكم الشرع. قال٧: وهذا
(١) انظر: «الأم» (٥/ ٤٥٤).
(٢) (١٣/ ١٥٤). وفي «الإنصاف» (١٠/ ٣٨٠) أن القاضي اختار صحة الهدنة إذا قال: هادنتكم ما شئنا.
(٣) للمزني (ص ٣٨٦).
(٤) لم أجد الوجه الثاني في «الرعاية الكبرى» (كتاب الجهاد/ باب الأمان وغيره) نسخة تشستربيتي (١٨/ب). وقال في «الصغرى» (ص ٥٨٢): «وإن هادنهم مطلقًا بطلت».