أحدهما: لا يجوز، قاله الشافعي في موضع١، ووافقه طائفةٌ من أصحاب أحمد كالقاضي في «المجرد» والشيخ في «المغني»٢، ولم يذكروا غيره.
والثاني: يجوز ذلك، وهو الذي نصَّ عليه الشافعي في «المختصر»٣، وقد ذكر الوجهين في مذهب أحمد طائفةٌ آخرهم ابنُ حمدان٤.
والمذكور عن أبي حنيفة أنها لا تكون لازمةً بل جائزةً، فإنه جوَّز للإمام فَسْخها متى شاء. وهذا القول في الطرف المقابل٥ لقول الشافعي الأول.
والقول الثالث: وسطٌ بين هذين القولين.
وأجاب الشافعي عن قول النبي ﷺ لأهل خيبر: «نُقِرُّكم ما أقرَّكم الله»٦ بأنَّ المراد: نُقِرُّكم ما أذن الله في إقراركم بحكم الشرع. قال٧: وهذا
(١) انظر: «الأم» (٥/ ٤٥٤).
(٢) (١٣/ ١٥٤). وفي «الإنصاف» (١٠/ ٣٨٠) أن القاضي اختار صحة الهدنة إذا قال: هادنتكم ما شئنا.
(٣) للمزني (ص ٣٨٦).
(٤) لم أجد الوجه الثاني في «الرعاية الكبرى» (كتاب الجهاد/ باب الأمان وغيره) نسخة تشستربيتي (١٨/ب). وقال في «الصغرى» (ص ٥٨٢): «وإن هادنهم مطلقًا بطلت».
(٥) في الأصل: «القائل»، تصحيف.
(٦) أخرجه البخاري (٢٧٣٠) من حديث ابن عمر.
(٧) في «الأم» (٥/ ٤٥٤).
لا يعلم إلا بالوحي، فليس هذا لغير النبي ﷺ.
وأصحاب هذا القول كأنَّهم ظنُّوا أنَّها إذا كانت مطلقةً تكون لازمةً مؤبَّدةً كالذمة، فلا تجوز بالاتفاق. وأن١ تكون الهُدنة لازمةً مؤبَّدةً فلا بُدَّ من تَوفيتها، وذلك أنَّ الله ﷿ أمر بالوفاء ونهى عن الغدر، والوفاء لا يكون إلا إذا كان العقد لازمًا.
والقول الثاني ــ وهو الصواب ــ أنَّه يجوز عقدُها مطلقةً وموقتةً، فإذا كانت موقَّتةً جاز أن تجعل لازمةً، ولو جعلت جائزةً بحيث يجوز لكل منهما فسخُها متى شاء كالشركة والوكالة والمضاربة ونحوها جاز ذلك، لكن بشرط أن يُنبَذ إليهم على سواء.
ويجوز عقدها مطلقةً، وإذا كانت مطلقةً لم يمكن أن تكون لازمة التأبيد، بل متى شاء نقضها. وذلك أنَّ الأصل في العقود أن تُعقَد على أي صفةٍ كانت فيها المصلحة، والمصلحة قد تكون في هذا وهذا.
وللعاقد أن يعقد العقد لازمًا من الطرفين، وله أن يعقده جائزًا يمكن فسخه إذا لم يمنع من ذلك مانعٌ شرعي. وليس هنا مانعٌ، بل هذا قد يكون هو المصلحة، فإنه إذا عقد عقدًا إلى مدةٍ طويلةٍ فقد تكون مصلحة المسلمين في محاربتهم قبل تلك المدة. فكيف إذا كان ذلك قد دل عليه الكتاب والسنة؟