الثاني: أنَّ أولها يومُ الحج الأكبر، كما نُقل عن مجاهد والسُّدِّي وغيرهما٢، وهذا هو الصحيح. وعلى هذا فيكون آخرها العاشر من شهر ربيع الآخر.
القول الثالث: أنَّ آخرها عاشر ربيع الأول.
قال شيخنا: ولا منافاة بين القولين، فإنَّه باتفاق الناس أنَّ الصدِّيق ﵁ نادى بذلك في الموسم في المشركين: أنَّ لكم أربعة أشهر تسيحون فيها، ويوم النحر كان ذلك العام بالاتفاق عاشر ذي القعدة، فانقضاء الأربعة عاشر ربيع الأول، فإنَّهم كانوا يَنسَؤُون الأشهر، فذو القعدة يجعلونه موضع ذي الحجة، وصفر موضع المحرم، وربيع الأول موضع صفر، وربيع الآخر موضع الأول، فالذي٣ كانوا يجعلونه ذا الحجة هو ذو القعدة، والذي جعلوه ربيعَ الآخرِ هو ربيع الأول. فمن المفسرين من تكلَّم بعبارتهم إذ ذاك، ومنهم من غيَّر العبارة إلى ما استقرَّ الأمر عليه.
والمقصود: أنَّ الله سبحانه قسَّم المشركين في هذه السورة إلى ثلاثة أقسام:
- أهل عهد موقَّتٍ لهم مدةٌ، وهم مقيمون على الوفاء بعهدهم لم ينقصوا المسلمين شيئًا مما شرطوا لهم، ولم يُظاهِروا عليهم أحدًا، فأمرهم
(١) أخرجه الطبري (١١/ ٣٠٦) من طريق العوفيين، ومن رواية علي بن أبي طلحة عنه.
(٢) كابن زيد وابن إسحاق، أخرجه عنهم الطبري (١١/ ٣١٠، ٣٤٥، ٣٤٦).
(٣) في الأصل: «فالذين»، تصحيف.
بأن يُوفُوا لهم بعهدهم ما داموا كذلك.
- قومٌ لهم عهودٌ مطلقةٌ غير موقَّتةٍ، فأمرهم أن يَنبِذوا إليهم عهدهم وأن يُؤجِّلوهم أربعة أشهر، فإذا انقضت الأشهر المذكورة حلَّت لهم دماؤهم وأموالهم.
- القسم الثالث: قومٌ لا عهودَ لهم، فمن استأمن منهم حتى يسمع كلام الله أَمَّنه، ثم ردَّه إلى مأمنه، فهؤلاء يُقاتَلون من غير تأجيل.
ومن لم يعرف١ هذا وظنَّ أنَّ العهود كلَّها كانت مؤجَّلةً، فهو بين أمرين:
أحدهما: أن يقول: يجوز للإمام أن يَنْبِذ إلى كل ذي عهدٍ٢ وإن كان موقَّتًا، فهذا مخالفٌ لنص القرآن بقوله: ﴿إِلَّا اَلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ اَلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾[التوبة: ٤]. وقد احتجوا بقوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَاَنبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾[الأنفال: ٥٩]. والآية حجةٌ عليهم، لأنه إنما أباح نبذ عهدهم إليهم إذا خاف منهم خيانةً، فإذا لم يخَفْ منهم خيانةً لم يَجُز النبذ إليهم، بل مفهوم هذه الآية مطابقٌ لمنطوق تلك.
الأمر الثاني: أن يقول: بل العهد الموقت لازمٌ كما دل عليه الكتاب والسنة، وهو قول جماهير العلماء. فيقال له: فإذا كان كذلك فلِمَ نبذ النبي