أحكام أهل الذمة

بأن يُوفُوا لهم بعهدهم ما داموا كذلك.

- قومٌ لهم عهودٌ مطلقةٌ غير موقَّتةٍ، فأمرهم أن يَنبِذوا إليهم عهدهم وأن يُؤجِّلوهم أربعة أشهر، فإذا انقضت الأشهر المذكورة حلَّت لهم دماؤهم وأموالهم.

- القسم الثالث: قومٌ لا عهودَ لهم، فمن استأمن منهم حتى يسمع كلام الله أَمَّنه، ثم ردَّه إلى مأمنه، فهؤلاء يُقاتَلون من غير تأجيل.

ومن لم يعرف١ هذا وظنَّ أنَّ العهود كلَّها كانت مؤجَّلةً، فهو بين أمرين:

أحدهما: أن يقول: يجوز للإمام أن يَنْبِذ إلى كل ذي عهدٍ٢ وإن كان موقَّتًا، فهذا مخالفٌ لنص القرآن بقوله: ﴿إِلَّا اَلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ اَلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤]. وقد احتجوا بقوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَاَنبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٩]. والآية حجةٌ عليهم، لأنه إنما أباح نبذ عهدهم إليهم إذا خاف منهم خيانةً، فإذا لم يخَفْ منهم خيانةً لم يَجُز النبذ إليهم، بل مفهوم هذه الآية مطابقٌ لمنطوق تلك.

الأمر الثاني: أن يقول: بل العهد الموقت لازمٌ كما دل عليه الكتاب والسنة، وهو قول جماهير العلماء. فيقال له: فإذا كان كذلك فلِمَ نبذ النبي

  1. (١) في هامش الأصل: «ومن لم يفرق بين» بعلامة خ.
  2. (٢) زيد في المطبوع بعده: «عهدَه».
52

ﷺ العهد إلى جميع المعاهدين من المشركين، وقد قال تعالى: ﴿إِلَّا اَلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ اَلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾؟ فقد حرَّم نبذ عهد هؤلاء وأوجب إتمام عهدهم إلى مدتهم، فكيف يقال: إن الله سبحانه أمر بنبذ العهود الموقَّتة؟

فقول من لا يجوِّز العهد المطلق قولٌ في غاية الضعف١، كقول من يجوِّز نبذَ كل عهدٍ وإن كان مؤجَّلًا بلا سببٍ، فقوله سبحانه بعد هذا: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اَللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا اَلَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ اَلْمَسْجِدِ اِلْحَرَامِ فَمَا اَسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاَسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اَللَّهَ يُحِبُّ اُلْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧]، فهؤلاء ــ والله أعلم ــ هم المُستثْنَون في تلك الآية، وهم الذين لهم عهدٌ إلى مدةٍ، فإنَّ هؤلاء لو كان عهدهم مطلقًا لنبذ إليهم كما نبذ إلى غيرهم وإن كانوا مستقيمين كافِّين عن قتاله، فإنه نبذ إلى جميع المشركين لأنه لم يكن لهم عهدٌ مؤجَّلٌ يستحقون به الوفاء، وإنما كانت عهودهم مطلقةً غير لازمةٍ، كالمشاركة والوكالة. وكان عهدهم لأجل المصلحة، فلما فتح الله مكة وأعزَّ الإسلام وأذلَّ أهل الكفر لم يبقَ في الإمساك عن جهادهم مصلحةٌ، فأمر الله به٢، ولم يأمر به حتى نبذ إليهم على سواءٍ لئلا يكون قتالهم قبل إعلامهم غدرًا.

وهذا قد يستدل به على أنَّ العقد الجائز كالشركة والوكالة لا يَثبُت حكمُ فسخه في حق الآخر حتى يعلم بالفسخ. ويحتج به من يقول: إنَّ الوكيل لا

  1. (١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ١٤٠).
  2. (٢) أي: بالجهاد.
53

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي