أحكام أهل الذمة

والذين ظنُّوا أنَّ العهد لا يكون إلا موقَّتًا، والوفاء واجب١، حاروا في جواز البراءة إلى المشركين، فصاروا إلى ما يظهر فساده، فقالت طائفةٌ: إنما يبرأ من نقض العهد. وهذا باطلٌ من وجوه كثيرة، فإنَّ مَن نقض العهد فلا عهدَ له، ولا يحتاج هذا إلى براءةٍ ولا أذانٍ، فإنَّ أهل مكة الذين صالحهم يومَ الحديبية لما نقضوا العهد سار إليهم وكتم مسيره، ودعا الله أن يكتم خبره عنهم، ولمَّا كتب إليهم حاطب بن أبي بَلْتَعة بخبره أنزل الله فيه ما أنزل٢، ولم يفجأ أهل مكة إلا ورسولُ الله ﷺ وجنود الله قد نزلوا بساحتهم، وهذا كان عام ثمانٍ قبل نزول (براءة).

وأيضًا: فالنبي ﷺ أرسل أبا بكرٍ، وأردفه بعلي ﵄ يؤذن بسورة براءة٣، فنبَذَ العهود إلى جميع المشركين مطلقًا، لم ينبذها إلى من نقض دون من لم ينقض.

وأيضًا: فالقرآن نبذها إلى المشركين، وإنَّما استثنى من كان له مدةٌ ووفاءٌ، فمن كان فيه هذان الشرطان لم ينبذ إليه.

وأيضًا: فإنه سبحانه قال: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اَللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا اَلَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ اَلْمَسْجِدِ اِلْحَرَامِ فَمَا اَسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاَسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧]، فجعل نفس الشرك مانعًا من العهد، إلا الذين

  1. (١) في هامش الأصل: «جائز»، خطأ.
  2. (٢) نزل فيه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة:١]. انظر: «صحيح البخاري» (٤٨٩٠) ومسلم (٢٤٩٤).
  3. (٣) كما في حديث أبي هريرة ﵁ عند البخاري (٣٦٩).
55

لهم عهدٌ موقَّتٌ وهم به موفون.

وقالت طائفةٌ من أصحاب الشافعي وأحمد: بل العهد الذي أمر بنبذه إنما هو مَنْعهم من البيت وقتالهم في الشهر الحرام. قالوا ــ وهذا لفظ القاضي أبي يعلى ــ: «وفصل الخطاب في هذا الباب: أنه قد كان بين رسول الله ﷺ وبين جميع المشركين عهدٌ، وهو أن لا يُصَدَّ أحدٌ عن البيت، ولا يُخاف أحدٌ في الشهر الحرام، فجعل الله عهدهم أربعة أشهرٍ، وكان بينه وبين أقوامٍ منهم عهودٌ إلى أجلٍ مسمًّى، فأمر بالوفاء لهم وإتمام عهدهم إذا لم يخشَ غدرَهم».

وهذا أيضًا ضعيفٌ جدًّا، وذلك أنَّ منعهم من البيت حكمٌ أُنزل في غير هذه الآية في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا اَلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا اُلْمَسْجِدَ اَلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، وهذا المعنى غير معنى قوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِّنَ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى اَلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ اَلْمُشْرِكِينَ ١﴾.

وأيضًا: فمنعهم عن المسجد الحرام عامٌّ فيمن كان له عهدٌ ومن لم يكن له عهدٌ، والبراءة خاصةٌ بالمعاهدين كما قال تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِّنَ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى اَلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ اَلْمُشْرِكِينَ ١﴾، ولم يقل: (إلى جميع المشركين) كما قال هناك: ﴿إِنَّمَا اَلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا اُلْمَسْجِدَ اَلْحَرَامَ﴾.

وأيضًا: فمن له أجلٌ يُوفَى له إلى أجله، وهم الذين عاهدوه، فما استقاموا لهم يستقيم لهم، ومع هذا فهم ممنوعون من المسجد الحرام.

وأيضًا: فالمنع من المسجد الحرام كان ينادي به أبو بكر وأعوانه علي وغيره ﵃ أجمعين، فينادون يوم النحر: «لا يَحُجَّنَّ بعد العام

56

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي