لمَّا كان الطفل غير مستقِلٍّ بنفسه لم يكن له بدٌّ من ولي يقوم بمصالحه، ويكون تابعًا له؛ وأحقُّ من نصب لذلك الأبوان، إذ هما السبب في وجوده، وهو جزءٌ منهما، ولهذا كان لهما من الحق عليه ما لم يكن لأحدٍ سواهما، فكانا أخص به وأحقَّ بكفالته وتربيته من كل أحدٍ. وكان من ضرورة ذلك أن ينشأ على دينهما كما ينشأ على لغتهما، فأبواه يهوِّدانه وينصِّرانه ويمجِّسانه. فإن كانا موحِّدَين مسلمَين ربَّياه على التوحيد= اجتمع له الفِطرة الخِلقية وتربية الأبوين. وإن كانا كافرين أخرجاه عن الفطرة التي فطره الله عليها بتعليم٣ الشرك وتربيته عليه، لِما سبق له في أم الكتاب.
فإذا نشأ الطفل بين أبويه كان على دينهما شرعًا وقدرًا. فإن تعذَّر تبعيَّتُه للأبوين بموتٍ أو انقطاعِ نسبٍ كولد الزنا، والمنفي باللعان، واللقيط، والمسبيِّ، والمملوك= فاختلف الفقهاء في حكم الطفل في هذه الحال، ونحن
(١) في المطبوع: «ذكر أحكام أطفالهم»، خلاف الأصل.
(٢) يأتي الباب الثاني (ص ٢٠٥).
(٣) في المطبوع: «بتعليمه»، خلاف الأصل.
نذكر ذلك مسألة مسألة.
فأما المسألة الأولى وهي موت الأبوين أو أحدهما، فاختُلف فيها على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّه لا يصير بذلك مسلمًا، بل هو على دينه. وهذا قول الجمهور، وربَّما ادُّعِي فيه أنَّه إجماعٌ معلومٌ متيقَّن، لأنَّا نعلم أنَّ أهل الذمة لم يزالوا يموتون، ويخلفون أولادًا صغارًا، ولا نعرف قطُّ أنَّ رسول الله ﷺ ولا أحد١ من الخلفاء الراشدين بعده ولا مَن بعدهم مِن الأئمة حكموا بإسلام أولاد الكفار بموت آبائهم. ولا نعرف أنَّ ذلك وقع في الإسلام مع امتناع إهمال هذا الأمر وإضاعته عليهم، وهم أحرص الناس على الزيادة في الإسلام والنقصان من الكفر. وهذا مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، اختارها شيخنا ﵀٢.
الثاني: أنَّه يُحكَم بإسلام الأطفال بموت الأبوين أو أحدهما، سواءٌ ماتا في دار الحرب أو في دار الإسلام. وهذا قول في مذهب أحمد، اختاره بعض أصحابه، وهو معلوم الفساد بيقين لما سنذكره.
(١) كذا في الأصل.
(٢) انظر: «درء التعارض» (٨/ ٤٣٤). وذكره المؤلف في «شفاء العليل» (٢/ ٤٣٨) أيضًا. وانظر: «الإنصاف» للمرداوي (٢٧/ ١٦٥) حيث نقل عن «أحكام أهل الذمة». وفي مطبوعة «الاختيارات» للبعلي (ص ٤٥٥): «ويُحكم بإسلام الطفل إذا مات أبواه»، وهو خطأ، والصواب ما ذكره محققه في الهامش نقلًا عن بعض النسخ الخطية: «ولا يُحكم ...».