أحكام أهل الذمة

ومنها: أن الجيش ليس لهم أن يَغُلُّوا من الغنيمة، ولا يَغدِروا بالعهد، ولا يَمْثُلوا بالكفّار، ولا يقتلوا من لم يبلغ الحُلُم.

ومنها: أن المسلمين يدعون الكفار قبل قتالهم إلى الإسلام، وهذا واجبٌ إن كانت الدعوة لم تبلُغْهم، ومستحبٌّ إن بلغَتْهم الدعوة. هذا إذا كان المسلمون هم القاصدين للكفار، فأما إذا قصدهم الكفار في ديارهم فلهم أن يقاتلوهم من غير دعوةٍ، لأنهم يدفعونهم عن أنفسهم وحريمهم.

ومنها: إلزامهم بالتحوُّل إلى دار الإسلام إذا كانوا مقيمين بين الكفار، فإن أسلموا كلُّهم وصارت الدار دارَ إسلامٍ لم يُلْزَموا بالتحوُّل منها، بل يقيموا١ في ديارهم. وكانت دار الهجرة في زمن رسول الله ﷺ هي دار الإسلام، فلما أسلم أهل الأمصار صارت البلاد التي أسلم أهلها بلاد الإسلام، فلا يلزمهم الانتقال منها.

ومنها: أن الأعراب ليس لهم شيء في الفيء ولا في الغنائم ما لم يقاتلوا، فإذا قاتلوا استحقُّوا من الغنيمة ما يستحقُّه مَن شهد الوقعةَ، وأما الأعراب الذين لا يقاتلون الكفار مع المسلمين فليس لهم شيء في الفيء ولا في الغنيمة.

ومنها: أن الجزية تُؤخذ من كل كافرٍ، هذا ظاهر هذا الحديث، ولم يستثنِ منه كافرًا من كافرٍ.

ولا يقال: هذا مخصوصٌ بأهل الكتاب خاصَّةً، فإن اللفظ يأبى

  1. (١) كذا في الأصل بحذف النون.
10

اختصاصَه١ بأهل الكتاب. وأيضًا فسرايا رسول الله ﷺ وجيوشه أكثرَ ما كانت تقاتل عَبَدةَ الأوثان من العرب.

ولا يقال: إن القرآن يدلُّ على اختصاصها بأهل الكتاب، فإن الله سبحانه أمر بقتال أهل الكتاب حتى يُعطوا الجزية، والنبي ﷺ أمر بقتال المشركين حتى يُعطوا الجزية، فيؤخذ من أهل الكتاب بالقرآن ومن عموم الكفار بالسنة، وقد أخذها رسول الله ﷺ من المجوس وهم عُبَّاد النار، لا فرقَ بينهم وبين عبدة الأوثان. ولا يصح أنهم أهل الكتاب ولا كان لهم كتابٌ، ولو كانوا أهلَ كتابٍ عند الصحابة ﵃ لم يتوقَّفْ عمر ﵁ في أمرهم، ولم يقلِ النبي ﷺ: "سُنُّوا بهم سنةَ أهلِ الكتاب"، بل هذا يدلُّ على أنهم ليسوا أهلَ كتابٍ. وقد ذكر الله سبحانه أهل الكتاب في القرآن في غير موضع، وذكر الأنبياء الذين أنزل عليهم الكتب والشرائع العظام، ولم يذكر للمجوس ــ مع أنها أمةٌ عظيمةٌ من أعظم الأمم شوكةً وعددًا وبأسًا ــ كتابًا ولا نبيًّا، ولا أشار إلى ذلك، بل القرآن يدلُّ على خلافه كما تقدَّم، فإذا أُخِذت من عُبَّاد النيران فأيُّ فرقٍ بينهم وبين عُبَّاد الأوثان؟

فإن قيل: فالنبي ﷺ لم يأخذها من أحدٍ من عُبَّاد الأوثان مع كثرة قتاله لهم.

قيل: أجلْ، وذلك لأن آية الجزية إنما نزلت عامَ تبوك في السنة التاسعة من الهجرة بعد أن أسلمت جزيرة العرب ولم يبقَ بها أحدٌ من عبَّاد الأوثان،

  1. (١) في المطبوع: "اختصاصهم" خلاف الأصل. وضمير المفرد للفظ.
11

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي