ثابتًا له قبل الموت، بل كان كافرًا حكمًا، وإنَّما تجدَّد له الإسلام بموت الأب، وهناك لم يتجدَّد كونه وارثًا بموت الأب، وإنما تجدَّد بالموت انتقال التَّرِكة إليه، وهذا ظاهرٌ جدًّا.
فإن قيل: فما تقولون لو مات أبوه الكافر وهو حملٌ، هل يَرِثه؟
قلنا: لا يرثه، لأنَّا نحكم بإسلامه بمجرَّد موته قبل الوضع، نصَّ على هذا أحمد١، فيسبق الإسلامُ المانعُ من الميراث لاستحقاق٢ الميراث. وهذا بناءً على أنَّه لا يرث المسلم الكافر، وأمَّا على القول الذي اختاره شيخنا٣ فإنَّه يرثه. وكذلك لو كان الحمل من غيره فأسلمتْ أمُّه قبل وضعه، بأن يموت الذمِّي ويترك امرأة أخيه حاملًا من أخيه الذمِّي، فتُسْلِم أمُّه قبل وضعه؛ فنحكم بإسلامه قبل استحقاقه الميراث.
فإن قيل: فيلزمكم أن تحكموا بإسلام أولاد الزنا من أهل الذمة لانقطاع أنسابهم من آبائهم.
قيل: قد التزمه أصحاب هذا القول، وحكموا بإسلامهم طردًا لهذه القاعدة، وهذا ليس بجيد، فإنَّه من انقطع نسبه من جهة أبيه قامت أمُّه مقام
(١) في رواية محمد بن يحيى الكحال وغيره. انظر: «الجامع» (٢/ ٤٠٧).
(٢) كذا في الأصل، واللام زائدة، أي: يسبق الإسلامُ استحقاقَ الميراث بالوضع. أو يكون ثَمَّ سقط تقديره: «السببَ لاستحقاقِ الميراث». وسبب استحقاق الميراث هنا هو الوضع. وقد سبق آنفًا على غرار هذه العبارة قولُ المؤلف: «فلم يتقدَّم الإسلامُ المانعُ عن الميراث على سبب استحقاقه».
(٣) وقد تقدَّم (ص ٣٣).
أبيه في التعصيب، ولهذا تكون أمُّه وعصباتها عصبةً له١، يرثون منه كما يرث الأب وعصباته، لانقطاع نسبه من جهة الأب. ويلزمهم على هذا أن يحكموا بإسلام ولد الذمِّي إذا لاعَنَ عليه، لانقطاع نسبه من جهة الأب، وهذا لا يُعلَم٢ به قائل من السلف.
وأمَّا إذا اختلط أولاد الذمة بأولاد المسلمين ولم يتميزوا، فإنَّه يُحكم بإسلامهم، نصَّ عليه أحمد في رواية المرُّوذي، فإنه قال: قلت لأبي عبد الله: ما تقول في رجل مسلم ونصراني في دار ولهما أولادٌ، فلم يُعرَف ولد النصراني من ولد المسلم؟ قال: يُجبَرون على الإسلام٣. فأحمد حكم بإسلام الأولاد هاهنا، لأنَّ بعضهم مسلم قطعًا، وقد اشتبه بالكافر فغلَّب جانب الإسلام، ولا يلزم من هذا الحكم بإسلام مَن انقطع نسبه من جهة أبيه لكونه ولد زنًا أو منفيًّا بلِعَانٍ، إذ لم يوجد هناك من يُغلَّب لأجله الإسلام، بل ولا شبهة إسلام.
فصل
ونحن نذكر قاعدةً فيما يقتضي الحكم بإسلام الطفل، وما لا يقتضيه. فنقول: إسلام الصبي يحصل بخمسة أشياء، متفقٌ على بعضها، ومختلفٌ في بعضها:
الأول: إسلامه بنفسه إذا عقل الإسلام، فيصح عند الجمهور، وهو
(١) في الأصل: «لم» تصحيف.
(٢) في الأصل: «نعلم»، والمثبت مقتضى رفع «قائل» الآتي.