أحكام أهل الذمة

مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد وأصحابهم١.

والذين قالوا بصحة إسلامه قالوا: يصح باطنًا وظاهرًا، حتى لو رجع عنه أُجبِر عليه، ولو أقام على رجوعه كان مرتدًّا.

ومنصوصُ الشافعي٢: أنه لا يصح إسلامه، ولأصحابه وجهان آخران:

أحدهما: أنه يوقف إسلامه، فإن بلغ واستمرَّ على حكم الإسلام تيقَّنَّا أنَّه كان مسلمًا من يومئذٍ، وإن وصف الكفر تبيَّنَّا أنَّه كان لغوًا. وقد عُبِّر عن هذا بصحة إسلامه ظاهرًا لا باطنًا.

والوجه الثاني: أنَّه يصح إسلامه حتى يفرَّقَ بينَه وبينَ زوجته الكافرة، ويورَّث مِن قريبه المسلم. وهو اختيار الإصطخري.

قالوا: وعلى هذا لو ارتدَّ صحَّت رِدَّتُه، ولكن لا يُقتَل حتى يبلغ، فإن رجع إلى الإسلام وإلا قتل.

وعلى منصوص الشافعي فقد يقال: يُحَال بينَه وبينَ أبويه وأهله الكفار لئلَّا يَفْتِنونه٣، فإن بلغ ووَصَف الكفرَ هُدِّد وطُولِبَ بالإسلام، فإن أصرَّ رُدَّ إليهم. وهل هذه الحيلولة مستحبةٌ أو واجبةٌ؟ فيه وجهان، أصحهما:

  1. (١) في متن الأصل: «أصحابه»، والمثبت من الهامش.
  2. (٢) انظر: «الأم» (٦/ ٧٠٧) و«الحاوي الكبير» (١٠/ ٤٦٨) و«نهاية المطلب» (٨/ ٥٢٠).
  3. (٣) كذا في الأصل بإثبات النون.
67

مستحبةٌ، فيُلطَف١ بوالديه ليُؤخَذ منهما، فإنْ أبَيَا فلا حيلولةَ.

هذا في أحكام الدنيا، فأمَّا ما يتعلق بالآخرة، فقال الأستاذ أبو إسحاق: إذا أَضمَر الإسلام كما أَظهَره٢ كان من الفائزين بالجنة. ويُعبَّر عن هذا بصحة إسلامه باطنًا لا ظاهرًا.

قال في «النهاية»٣: «وفي هذا إشكالٌ؛ لأنَّ مَن حكم له بالفوز لإسلامه كيف لا نحكم بإسلامه؟». وأجيب عنه: بأنه قد نحكم بالفوز في الآخرة، وإن لم يَجرِ عليه أحكام الإسلام في الدنيا، كمَن لم تبلغه الدعوة.

والذين قالوا: لا يصح إسلامه احتجوا بقول النبي ﷺ: «رُفِع القلمُ عن ثلاثة: عن الصبي حتى يَبلُغ، وعن المجنون حتى يُفِيق، وعن النائم حتى يستيقظ»٤. وهو حديث حسن.

  1. (١) في المطبوع: «فيُتَلَطَّف»، خلاف الأصل.
  2. (٢) في المطبوع: «إذا أضمر كما أظهر»، سقط «الإسلام» والضمير.
  3. (٣) «نهاية المطلب» للجويني (٨/ ٥٢١) بتصرف يسير.
  4. (٤) أخرجه أحمد (٩٤٠، ١٣٢٨) وأبو داود (٤٣٩٩ - ٤٤٠٢) والترمذي (١٤٢٣) والنسائي في «الكبرى» (٧٣٠٣ - ٧٣٠٧) وابن ماجه (٢٠٤٢) وابن خزيمة (١٠٠٣) وابن حبان (١٤٣) من طرق عن علي ﵁ موقوفًا ومرفوعًا. رجَّح الوقف الترمذيُّ في «العلل الكبير» (ص ٢٢٦) والنسائي في «الكبرى» والدارقطني في «العلل» (٢٩١، ٣٥٤). والموقوف قد علَّقه البخاري مجزومًا به في الطلاق (باب الطلاق في الإغلاق والكره) والحدود (باب لا يرجم المجنون والمجنونة).
    وله شاهد مرفوع من حديث عائشة عند أحمد (٢٤٦٩٤) وأبو داود (٤٣٩٨) والنسائي (٣٤٣٢) وابن ماجه (٢٠٤١) وغيرهم من طريق حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة. وهذا إسناد حسن، وحماد بن أبي سليمان فقيه صدوق على لين فيه. قال البخاري كما في «العلل الكبير» (ص ٢٢٥): أرجو أن يكون محفوظًا.
    وله شواهد أخرى ضعيفة. انظر: «البدر المنير» (٣/ ٢٢٥ - ٢٣٨) و«إرواء الغليل» (٢٩٧) و«أنيس الساري» (٢١٧٠).
68

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي