أحكام أهل الذمة

عنه لسانُه، فإمَّا شاكرًا وإمَّا كَفورًا»١. فجعل الغاية إعراب لسانه عنه: أي بيان لسانه عنه، فإذا أعرب لسانُه عنه صار إمَّا شاكرًا وإمَّا كفورًا بالنص.

ولأنَّه إذا بلغ سِنَّ التمييز وعقَل ما يقول، صار له إرادةٌ واختيارٌ ونطقٌ يترتَّب عليه به الثواب وإنْ تأخَّرَ ترتُّبُ العقابِ عليه٢ إلى ما بعد البلوغ. فلا يلزم من انتفاء صحةِ أسبابِ العقاب انتفاءُ صحةِ أسبابِ الثواب، فإنَّ الصبي يصِحُّ حجُّه، وطهارته، وصلاته، وصيامه، وصدقته، وذِكْره، ويُثاب على ذلك، وإن لم يعاقب على تركه؛ فباب الثواب لا يعتمد البلوغَ.

ولم يقم دليل شرعي على إهدار أقوال الصبي بالكليَّة، بل الأدلة الشرعية تقتضي اعتبار أقواله في الجملة. وقد أمر الله تعالى بابتلاء اليتامى، وهو اختبارهم في عقودهم ومعاملاتهم. ولهذا كان قول الجمهور: إنَّ ذلك يحصل بإذنه له في العَقْد، ولا يحتاج إلى أن يأذن له في المُراوَضة٣ ثم يعقد وليُّه.

  1. (١) لم نجده بهذا السياق، وهو ملفق من أكثر من رواية، فأخشى أن يكون ثَمَّ سقط من الناسخ نشأ عنه تداخل بين الروايات. فقد أخرجه مسلم عقب (٢٦٥٨/ ٢٣) بلفظ: «ما من مولود يولد إلا على هذه الملة، حتى يبين عنه لسانه»، وفي لفظ: «حتى يعبِّرَ عنه لسانه». وليس عند مسلم: «فإمَّا شاكرًا وإمَّا كَفورًا»، وإنما روي ذلك من حديث جابر عند أحمد (١٤٨٠٥) بإسناد فيه لين، ولفظه: «كلُّ مولود يولد على الفطرة، حتى يُعرِب عنه لسانُه، فإذا أعرب عنه لسانه إما شاكرًا وإما كفورًا».
  2. (٢) تقدمت على «العقاب» في الأصل والمطبوع، فيكون السياق: «ترتَّبَ عليه العقابُ»، وهو خطأ يُذهب المعنى.
  3. (٣) أي: المساومة والمجاذبة بين البائع والمشتري على الثمن.
70

وقد ذهب عبد الله بن الزبير وأهل المدينة وأحمد في إحدى الروايات إلى قبول شهادة الصبيان بعضهم على بعض في جراحاتهم إذا كانوا منفردين١.

وقد ذهب جماعةٌ من الفقهاء إلى صِحَّة وصيَّة الصَّبيِّ وطَلاقه وظِهاره وإيلائه، ولم يزل الصبيان يذهبون في حوائج أوليائهم وغيرهم، ويقبلون قولَهم في ثبوت الأسباب التي تقتضي الحِلَّ والحُرمة، ويعتمدون في وطء الفرج في الأمة والزوجة على قول الصبي، فلم يُهدِر الشارعُ أقوال الصبي كلَّها.

بل إذا تأمَّلنا الشرعَ رأينا اعتبارَه لأقواله أكثر من إهداره لها، وإنَّما تُهدَر فيما فيه عليه ضررٌ، كالإقرار بالحدود والحقوق. فأمَّا ما هو نفعٌ محضٌ له في الدنيا والآخرة كالإسلام، فاعتبار قوله فيه أولى من إهداره، إذ أصول الشرع تشهد باعتبار قوله فيه.

وأيضًا: فإنَّ الإسلام عبادةٌ محضة وطاعة لله وقربة له، فلم يكن البلوغ شرطًا في صحتها، كحجه وصومه وصلاته وقراءته، وأنَّ الله تعالى دعا عبادَه إلى دار السلام، وجعل طريقها الإسلام، وجعل مَن لم يُجِب دعوتَه في الجحيم والعذاب الأليم. فكيف يجوز منْعُ الصبي من إجابة٢ دعوة الله مع

  1. (١) أخرجه مالك (٢١٢٦) وعبد الرزاق (١٥٤٩٤، ١٥٤٩٥) وابن أبي شيبة (٢١٤٣٣) وابن المنذر في «الأوسط» (٧/ ٢٧١) والحاكم (٢/ ٢٨٦) من طريقين عن عبد الله بن الزبير.
  2. (٢) في الأصل: «لمن جابه»، تصحيف. والتصحيح من «المغني» (١٢/ ٢٧٩)، فإن المؤلف صادر عنه.
71

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي