وقد ذهب عبد الله بن الزبير وأهل المدينة وأحمد في إحدى الروايات إلى قبول شهادة الصبيان بعضهم على بعض في جراحاتهم إذا كانوا منفردين١.
وقد ذهب جماعةٌ من الفقهاء إلى صِحَّة وصيَّة الصَّبيِّ وطَلاقه وظِهاره وإيلائه، ولم يزل الصبيان يذهبون في حوائج أوليائهم وغيرهم، ويقبلون قولَهم في ثبوت الأسباب التي تقتضي الحِلَّ والحُرمة، ويعتمدون في وطء الفرج في الأمة والزوجة على قول الصبي، فلم يُهدِر الشارعُ أقوال الصبي كلَّها.
بل إذا تأمَّلنا الشرعَ رأينا اعتبارَه لأقواله أكثر من إهداره لها، وإنَّما تُهدَر فيما فيه عليه ضررٌ، كالإقرار بالحدود والحقوق. فأمَّا ما هو نفعٌ محضٌ له في الدنيا والآخرة كالإسلام، فاعتبار قوله فيه أولى من إهداره، إذ أصول الشرع تشهد باعتبار قوله فيه.
وأيضًا: فإنَّ الإسلام عبادةٌ محضة وطاعة لله وقربة له، فلم يكن البلوغ شرطًا في صحتها، كحجه وصومه وصلاته وقراءته، وأنَّ الله تعالى دعا عبادَه إلى دار السلام، وجعل طريقها الإسلام، وجعل مَن لم يُجِب دعوتَه في الجحيم والعذاب الأليم. فكيف يجوز منْعُ الصبي من إجابة٢ دعوة الله مع
(١) أخرجه مالك (٢١٢٦) وعبد الرزاق (١٥٤٩٤، ١٥٤٩٥) وابن أبي شيبة (٢١٤٣٣) وابن المنذر في «الأوسط» (٧/ ٢٧١) والحاكم (٢/ ٢٨٦) من طريقين عن عبد الله بن الزبير.
(٢) في الأصل: «لمن جابه»، تصحيف. والتصحيح من «المغني» (١٢/ ٢٧٩)، فإن المؤلف صادر عنه.
مُسارَعته ومُبادَرته إليها وسلوكِه طريقَها، وإلزامُه بطريق أهل الجحيم والكونِ معهم، والحكمُ عليه بالنار، وسَدُّ طريق النجاة عليه مع فراره إلى الله منها؟! هذا من أمحل المحال.
ولأنَّ هذا إجماع الصحابة، فإنَّ عليًّا ﵁ أسلم صبيًّا، وكان يفتخر بذلك، ويقول:
سبقتكم إلى الإسلام طُرًّاصبيًّا ما بلغت أوان حلمي١
فكيف يقال: إنَّ إسلامه كان باطلًا لا يصح؟ ولهذا قال غير واحد من التابعين ومَن بعدهم: أوَّل مَن أسلم من الرجال أبو بكر، ومن الصبيان عليٌّ، ومن النساء خديجة، ومن العَبِيد بلال، ومن الموالي زيد٢.
وقال عروة بن الزبير: أسلم علي والزبير وهما ابنا ثمان سنين٣.
(١) أخرجه البيهقي في «الكبير» (٦/ ٢٠٦) بنحوه وقال: وهذا شائع فيما بين الناس من قول علي ﵁ إلا أنَّه لم يقع إلينا بإسناد يُحتَجُّ بمثله.
(٢) اختلف التابعون في أول مَن أسلم. وهذا القول إنما هو لإسحاق بن راهويه جمعًا بين الأقوال. انظر: «معالم التنزيل» للبغوي (٤/ ٨٧).
(٣) أخرجه أبو القاسم البغوي في «معجم الصحابة» (٢٥٣٥، ١٠٩٦) والطبراني في «الكبير» (١/ ٩٥، ١٢٢) وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٣٠٨، ٤١٩) والبيهقي (٦/ ٣٣٩، ٣٤٢)، كلهم من طريق الليث، عن أبي الأسود، عن عروة، مفرَّقًا كلٌّ منهما على حدة.