أحكام أهل الذمة

وبايع عبد الله بن الزبير وعمره سبع سنين أو ثمانٍ، فضَحِك النبيُّ ﷺ لمَّا رآه١.

وقال ابن عباس ﵄: كنتُ أنا وأمِّي من المستضعفين بمكة٢. ومات النبي ﷺ ولم يحتلم.

ولم يرُدَّ النبي ﷺ على أحد من الصبيان إسلامَه قط، بل كان يَقبَل إسلام الصغير والكبير، والحرّ والعبد، والذكر والأنثى. ولم يأمر هو ولا أحدٌ من خلفائه ولا أحدٌ من أصحابه صبيًّا أسلم قبل البلوغ= عند البلوغ أن يجدِّد إسلامه، ولا عُرِف هذا في الإسلام قط.

وأمَّا قوله ﷺ: «رفع القلم عن ثلاثةٍ»٣، فلم يُرِد به النبي ﷺ أنَّه لا يصح إسلامُه، ولا ذكره، ولا قراءته، ولا صلاته، ولا صيامه؛ فإنه لم يخبر أنَّ قلم الثواب مرفوعٌ عنه. وإنَّما مُراده بهذا الحديث رفعُ قلم التأثيم، وأنَّه لا يُكتَب عليه ذنبٌ. والإسلام أعظم الحسنات، وهو له لا عليه، فكيف يُفهَم من رفع القلم عن الصبي بطلانُه وعدُم اعتباره، والإسلام له لا عليه، ويَسعَد به في الدنيا والآخرة؟

فإن قيل: فالإسلام يُوجِب الزكاةَ عليه في ماله ونفقةَ قريبه المسلم، ويَحرِمه ميراثَ قريبه الكافر، ويفسخ نكاحه، وهذه أحكامٌ عليه لا له، فتكون مرفوعةً عنه بالنص، ويستحيل رفعُها مع قيام سببها، فيلزم مِن رفعها رفعُ

  1. (١) أخرجه مسلم (٢١٤٦) من حديث أسماء بين أبي بكر ﵄.
  2. (٢) أخرجه البخاري (١٣٥٧، ٤٥٨٧، ٤٥٨٨).
  3. (٣) سبق تخريجه قريبًا.
73

سببها وهو الإسلام.

فالجواب من وجوه، أحدها: أن يقال: للناس في وجوب الزكاة عليه قولان، أحدهما: لا تجب عليه، فلا يصح الإلزام بها. والثاني: تجب في ماله، وهي نفعٌ محضٌ له، تعود عليه بركتها في العاجل والآجل، فهي في الحقيقة له لا عليه.

وأمَّا نفقة قريبه، فقد قدَّمنا أنَّ الصحيح وجوبُها مع اختلاف الدين، فلم يتجدَّد وجوبُها بالإسلام. وإن تجدَّد وجوبها بالإسلام فالنفع الحاصل له بالإسلام في الدنيا والآخرة أضعافُ أضعافِ الضرر الحاصل بتلك النفقة. وليس في شرع الله ولا في قدره إضاعةُ الخير العظيم لما في ضِمنه من شرٍّ يسيرٍ لا نسبة له إلى ذلك الخير البتَّة، بل مدار الشرع والقدر١ على تحصيل أعلى المصلحتين بتفويت أدناهما، وارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما.

وأمَّا حِرمان٢ الميراث من قريبه الكافر، فجوابه من وجوه:

أحدها: أنَّ هذا يلزمهم نظيره، إذ قد يكون له قريبٌ مسلم، فإن لم يُصحَّح إسلامُه مُنع ميراثَه منه، وفي ذلك تفويت مصلحة دنياه وآخرته.

الثاني: أنَّا قد قدَّمنا أنَّ مذهب كثير من الصحابة وجماعة من التابعين أنَّ المسلم يرث الكافر دون العكس، وبيَّنَّا رجحان هذا القول بما فيه كفاية.

الثالث: أنَّه ولو حُرِم الميراث فما حصل له من عِزِّ الإسلام وغناه والفوز

  1. (١) في هامش الأصل: «والمقدر»، والمثبت من متنه أولى.
  2. (٢) في المطبوع: «حرمانه»، خلاف الأصل.
74

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي